المنطق
المنطق
فالكلى هو الذي يعطى الجزئي ماله بذاته. والكلى هو الذي عنده نهاية البحث عن لم وعند تناهي البحث ما يظن أنا علمنا الشيء، كما لو سأل سائل : لم جاء فلان؟ فقيل ليأخذ مالا ما، فيقال : لم يأخذ؟ قيل ليقضي دين غريمه، قبل ولم يقضي؟ قيل لكي لا يكون ظالما. فإذا وقف البحث عن اللم عند هذا وأمثاله، فقد سكنت النفس إلى معلومها. ولا محالة أن يبحث اللم في أمثال هذا ينتهي إلى أمر لا يتجاوز عنه، يكون هذا الأمر الأعم الأعلى الذي يلزمه الحكم لنفسه ولغيره بسببه، وهو العلة المطلوبة.
وكذلك إذا سئلنا عن الجزئيات : أن هذا المثلث لم زواياه الخارجة مساوية لأربع قوائم وأجبنا بشيء جزئي فقلنا لأنه من ذهب، أو لأنه مخطوط في ثوب، أو لأنه هذا المثلث، لم يكن شيء من هذا جوابا عن العلة الذاتية التي تطلب، إلا أن نقول لأنه شكل يحيط به ثلاثة خطوط مستقيمة كل واحد منها إذا خرج ارتسم حوله مساويتان لقائمتين فيكون جميعها ست زوايا قوائم : اثنتان منها داخلتان، فيبقى الخارج أربعا. فنحن إذن في إعطاء العلة نضطر إلى البرهان على الكلى. وكذلك ليس يمكننا أن نبرهن على هذا الحكم في المتساوي الساقين برهانا كليا إلا أن نقول إنه مثلث حال أضلاعه أن تخرج كذا وكذا.
وأيضا فإن الجزئيات غير متناهية ولا محدودة، والكلى بسيط محدود. والغير المتناها من جهة ما هو غير متناه، غير معلوم. وإنما يعلم المتناهي المحدود. فإذن العلم الذاتي إنما هو للكلى، وهو أكبر في معنى المعلومية؛ فأولى بأن يكون المقصود بالبرهان. وإذا كان هو أولى بالبراهين، فالبراهين أيضا أولى به، لأن الأولى من باب المضاف. وإذا كان هذا أولى به منه بغيره، فذلك أيضا أولى من ذلك الغير به منه.
وأيضا فإن الشيء الذي إذا علم هو علم غيره من غير انعكاس، فهو أولى )111 أ( يفيد العلم من ذلك الغير. والكلى إذا برهن عليه وعلم، كان ذلك علما به وبالجزئي أيضا تحته بالقوة القريبة من الفعل. وإذا علم الجزئي فليس يجب أن يكون ذلك علما بالكلى - لا بالفعل ولا بالقوة القريبة من الفعل. فالعلم بالكلى إذن آثر.
وأيضا فإن البرهان الكلى يكون الحد الأوسط فيه أقرب إلى المبدأ، فهو أشد استقصاء في كل شيء وأكبر في المعنى الذي له المبدأ مما هو أبعد منه من المبدأ. فالبرهان الكلى أشد استقصاء من الجزئي.
وأمثال هذه الأقاويل هي التي قيلت في التعليم الأول، ولكن يشبه أن يكون الأمر - على ما قال المعلم الأول بنفسه - من أن بعض هذه الحجج منطقية جدلية؛ وإن كان بعضهم يفهم منه أنه يقول إن بعض هذه الحجج لا تختص بالبرهان.
والذي يجب أن يصغي إليه من جملة هذه الحجج هو أن العلم بالكلى علم بالقوة الجزئي، ومبدأ للبرهان على الجزئي. وأما العلم بالجزئي فليس فيه البتة علم بالكلى. فإن من علم أن كل مثلث فزواياه كذا، فما أسهل أن يعرف أن متساوي الساقين كذلك. ومن علة أن متساوي الساقين كذلك فلا يعلم من ذلك وحده البتة أن كل مثلث كذلك. ومثل هذا ما قيل إن البحث باللم يحوج إلى العلم الكلى. وأيضا فغن الكلى معقول، والعلم الحقيقي للعقل. وأما الجزئي فمحسوس والمحسوس من جهة ما هو محسوس لا علم به ولا برهان عليه.
ثم قيل إن البراهين المأخوذة من أصول ومبادئ ومصادرات موجبة فقط، وهي التي تبين الموجب، أفضل من الكائنة عن سوالب. واحتج في ذلك بحجج : من ذلك أن تلك لا تحوج إلى استعمال الأشياء مفننة مختلفة كثيرة الأصناف، والبرهان على السلب يحوج إلى ذلك : إذ لم تكن السوالب الصرفة تنتج إنتاج الموجبات الصرفة، بل تنتج إذا خلطت بالموجبات. وإذا أعطينا عللا متوالية في الشيء فإنما نعطي اللمية الحقيقية الواحد منها الأخير الذي هو أقرب من المعلول. وليس في تكثير الأوساط فائدة. بل الفائدة في تقليلها والاختصار منها على القريب الملصق بالجملة. فإن العلم الكائن مما هو أقل، أفضل من العلم الواقع باجتماع أمور كثيرة. فإن الغلط في القليل أقل، وفي الكثير أكثر. وانحصار المعنى في القليل أكثر، وفي الكثير أقل. فإذا كان كذلك فالبرهان الذي يجري على سنة واحدة غير مختلفة أفضل من البرهان المتكثر الأجزاء المختلفة.
صفحہ 489