المنطق
المنطق
ولقائل أن يقول : إن السالبة التي لا وسط لها إن طلبت بهذه الشريطة لم توجد : فإنه لا يخلو أ، ب من حد أو رسم ومن أجزائهما. وإن كان نفسه حدا لم يخل من اسم يدل على المعنى بلا تفصيل. وبالجملة ليست الأشياء تخلو عن خواص ولوازم حتى الأجناس العالية التي لا يحمل عليها جنس. فكيف يوجد أ، ب غير محمول على أحدهما شيء لا يحمل على الآخر؟ فأقول : إنه عسى ألا يكون مثل هذا الوسط أي محمول اتفق، وألا يكون القياس كل ما له وسط أي وسط اتفق، بل يجب أن يكون الوسط شيئا : وجوده للأصغر والحكم بالأكبر عليه : كل واحد منهما أعرف من الحكم بالأكبر على الأصغر. وفي المطلوب السالب يجب أن يكون وجود الوسط للأصغر، وسلب الأكبر عن الأوسط، أعرف من سلب الأكبر عن الأصغر. فحينئذ يكون وسط وقياس.
فيشبه أن يكون المعلم الأول عنى محمولا نسبته إلى أ وإلى ب أعرف من نسبة ما بينهما.
هذا وقد علمت أن الجهل ليس صنفا واحدا : بل من الجهل ما هو بسيط - وهو عدم العلم في النفس فقط : وهو ألا يكون للنفس رأي في المر - حق ولا صواب - وهذا لا يكتسب بقياس، فإنه سلب العلم فقط وخلو النفس عنه، وإن كان قد يظن أن ذلك مكتسب بقياس على أحد وجهين : إما على ما ظنه بعضهم )108أ( أن تكافؤ الحجج يوجب هذا الجهل،وهذا خطأ. بل تكافؤ الحجج يثبت هذا الجهل الموجود ويحفظه، وأما أنه يحدثه فليس. وإما على ما ظنه بعضهم أن الرأي الباطل إذا أفسد بحجج ولم يتضح بفساده الرأي الحق، أوجب ذلك حينئذ الجهل البسيط الذي السلب فقط، وكان بقياس. وهذا أيضا ليس بالحقيقة حادثا عن القياس، بل بالعرض : لأن ذلك القياس إنما أوجب بالذات بطلان الرأي الفاسد. فلما بطل ولم يكن هناك رأي آخر، عرض أن بقيت النفس عادمة للرأي أصلا كما كانت، بل القول الصواب أن هذا الجهل لا يكتسب.
ومن الجهل ما هو مركب - وليس هو علما فقط، بل فيه مع عدم العلم وجود رأي مضاد له، وهو جهل على سبيل القنية والملكة، وهو مرض نفساني، وذلك لأن صحة كل شيء إما أن تكون موجودة على مزاجه الذاتي وفطرته الأصلية فقط، أو يكون قد اكتسب مع ذلك كمالا ثانيا، كمن يكون مع وجوده على مزاجه الصحي جميلا أو قويا. وليس هو في المزاج من البدن، بل وفي التركيب ايضا، فغن صحة البدن هي في اعتدال المزاج واستواء التركيب.وكمال الصحة أن تقترن بهذين المرين البدنيين الأمور التي يستعد البدن بهذين لها من الجمال والجزالة والقوة.
كذلك صحة النفس على وجهين : صحة أولى - وهي أن تكون على فطرتها الأولى ومزاجها مثلا الأصلي، وليس فيها معنى خارج عن الملاءمة. وصحة ثانية - وهي أن تحصل لها الزوائد الكمالية التي تتعد لها بتلك الصحة، وهي العلوم الحقيقية. وكما أن البدن إذا حدث فيه أمر غريب لا تقتضيه فطرته، فمنع مقتضى فطرته والأفعال التي له بذاته، كان البدن مريضا، كذلك النفس إذا اعتقدت الآراء الباطلة المخالفة لما يجب أن يكون مبنيا على فطرتها الأصلية، كانت مريضة.
صفحہ 478