مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ایڈیٹر
جمال عيتاني
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1422هـ - 2001م
پبلشر کا مقام
لبنان/ بيروت
( 212 ) ( عن كثير بن قيس ) ذكره المصنف في التابعين ( قال : ( كنت جالسا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق ) بكسر الدال وفتح الميم ويكسر ، أي الشام ( فجاءه ) أي أبا الدرداء ( رجل ) أي من طلبة العلم ( فقال : يا أبا الدرداء ) تقرأ الهمزة بعد حرف النداء ولا تكتب رسما ( إني جئتك من مدينة الرسول ) قال ابن حجر : كره الشافعي أن يقال ذلك لأنه لفظ مشترك بين رسول الله ورسول غيره ولا يرد عليه : 16 ( { يا أيها الرسول } ) الآية [ المائدة 41 ] لأن خطاب الله لنبيه تشريف له بأي لفظ كان وله تعالى أن يخاطب عبيده بما شاء ، ومن ثم أخذ من قوله تعالى : 16 ( { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } ) [ النور 63 ] أنه يحرم نداؤه باسمه كيا محمد أو بكنيته كيا أبا القاسم ، قال : وإنما ينادى بنحو يا رسول الله يا نبي الله . ا ه . وفيه أن القرينة المانعة من إرادة الإشراك قائمة فإنه لا يفهم بل لا يتوهم من مدينة الرسول غير رسول الله لا سيما إذا انضم إليه ونحوه . ( لحديث ) أي لأجل تحصيل حديث ( بلغني أنك تحدثه ) أي ذلك الحديث ( عن رسول الله ) وهو يحتمل أن يكون سمعه إجمالا ويحتمل أن يكون سمع الحديث لكن أراد أن يسمعه بلا واسطة لإفادة العلم وزيادة يقينه ، أو لعلو الإسناد فإنه من الدين ( ما جئت ) إلى الشام ( لحاجة ) أخرى غير أن أسمعك الحديث ثم تحديث أبي الدرداء بما حدثه يحتمل أن يكون مطلوب الرجل بعينه ، أو يكون بيانا أن سعيه مشكور عند الله ولم يذكر هنا ما هو مطلوبه والأول أغرب والثاني أقرب . ( قال ) أي أبو الدرداء ( فإني ) أي إذا كان الأمر كذلك فأعلم إني ( سمعت رسول الله يقول : ( من سلك ) أي دخل أو مشى ( طريقا ) أي قريبا أو بعيدا ( يطلب فيه ) أي في ذلك الطريق أو في ذلك المسلك أو في سلوكه ( علما ) قال الطيبي : وإنما أطلق الطريق والعلم ليشملا في جنسهما ، أي طريق كان من مفارقة الأوطان والضرب في البلدان إلى غير ذلك كما سبق ، وأي علم كان من علوم الدين قليلا أو كثيرا رفيعا أو غير رفيع . وفي شرح السنة عن الثوري : ما أعلم اليوم شيئا أفضل من طلب العلم ، قيل له : ليس لهم نية ، قال : طلبهم له نية ، أي سببها ، ولذا قال بعضهم : طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله ، وعن الشافعي رحمه الله : طلب العلم أفضل من صلاة النافلة . ا ه . لأنه إما فرض عين أو فرض كفاية وهما أفضل من النافلة وقال الإمام مالك : العلم الحكمة وهو نور يهدي الله به من يشاء وليس بكثرة المسائل . ا ه . ولعله يشير إلى معنى الآية : 16 ( { يؤتي الحكمة من يشاء } ) [ البقرة 299 ] ( سلك الله به ) الضمير المجرور عائد إلى من والباء للتعدية ، أي جعله سالكا ووفقه أن يسلك طريق الجنة ، وقيل عائد إلى العلم والباء للسببية وسلك بمعنى سهل والعائد إلى من محذوف ، والمعنى سهل الله له بسبب العلم ( طريقا من طرق الجنة ) فعلى الأول سلك من السلوك ، وعلى الثاني من السلك والمفعول محذوف كقوله تعالى : 16 ( { يسلكه عذابا صعدا } ) [ الجن 17 ] قيل : عذابا مفعول ثان ، وعلى التقديرين نسبة سلك إلى الله تعالى على طريق المشاكلة كذا قاله الطيبي ، وقال ابن الملك فيه إشارة إلى أن طرق الجنة كثيرة وكل عمل صالح طريق من طرقها وطرق العلم أقرب الطرق إليها وأعظم . ا ه . قلت : والأظهر أن كل علم طريق إلى الجنة كما يستفاد من تنكيرها ، وفيه إيماء إلى أن طرق الجنة محصورة في طرق العلم ؛ فإن العمل الصالح لا يتصور بدون العلم والله أعلم ، فقول الصوفية الطرق إلى الله بعدد أنفاس المخلوقات مبني على المعرفة وهي نوع من أنواع العلم ، ولأن طريق غير العلم هو طريق الجهل ، وما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه .
صفحہ 427