210

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

ایڈیٹر

جمال عيتاني

ناشر

دار الكتب العلمية

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

1422هـ - 2001م

پبلشر کا مقام

لبنان/ بيروت

( 167 ) ( وعن عبد الله بن عمرو ) بالواو رضي الله عنهما ( قال : قال رسول الله : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه ) أي ميل نفسه ، سمي به لأنه يهوي صاحبه في الدنيا إلى الداهية وفي الآخرة إلى الهاوية فكأنه من هوى يهوي هوى إذا سقط ( تبعا لما جئت به ) ) يجوز أن يحمل هذا على نفي أصل الإيمان ، أي حتى يكون تابعا مقتديا لما جئت به من الشرع عن اعتقاد لا عن إكراه وخوف سيف كالمنافقين ، وقيل : المراد نفي الكمال ، أي لا يكمل إيمان أحدكم حتى يكون ميل نفسه ، أي ما تشتهيه ، تبعا لما جئت به من الأحكام الشرعية ؛ فإن وافقها هواه اشتغل بها لشرعيتها لا لأنها هوى ، وإن خالفها اجتنب هواه فحينئذ يكون مؤمنا كاملا . قال بعض العارفين : أي حتى يكون هواه الذي من أصل صفاته النفسانية بل المعبود الباطل المطاع والمحبوب الاتباع تبعا لما جئت به من السنة الزهراء والملة النقية البيضاء ، حتى تصير همومه المختلفة وخواطره المتفرقة التي تنبعث عن هوى النفس وميل الطبع هما واحدا يتعلق بأمر ربه واتباع شرعه تعظيما له وشفقة على خلقه كما قال الشاعر :

كانت لقلبي أهواء مفرقة

فاستجمعت اذرأتك العين أهواي

وصار يحسدني من كنت أحسده

وصرت مولى الورى إذ صرت مولاي

[ تركت للخلق دنياهم ودينهم ]

شغلا بحبك يا ديني ودنياي

فلا يميل إلا بحكم الدين ولا يهوى إلا بأمر الشرع ؛ فهو المؤمن الفريد الكامل الوحيد الذي يقبل منه التوحيد ، ومن أعرض عنه متبعا لما هواه مبتغيا لمرضاه فهو الكافر الخاسر في دنياه وعقباه ، ومن اتبع أصول الشريعة دون فروعها فهو الفاسق ، ومن عكس فهو المنافق .

والهوى مصدر هويه أحبه ، وشرعا ميل النفس إلى خلاف ما يقتضيه الشرع وأما إذا وافق الهوى الهدى فهو كالزبدة على العسل ونور على نور وسرور على سرور ، قال تعالى : 16 ( { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } ) [ القصص 50 ] فإن قلت : ما جاء به الرسول نور وضياء ، والهوى ظلمة في النفس انبعثت من الطبيعة الترابية ، فكيف يصير الهوى الظلماني تبعا للدين النوراني ؟ فالجواب أن النفس لطيفة في الجسد تولدت من ازدواج الروح والبدن واتصالهما ، والروح لطيف روحاني والجسد كثيف ظلماني ، والنفس متوسطة بينهما تقبل اللطافة الروحانية والكثافة الجسمانية ، وهذا هو التسوية التي قال الله تعالى : 16 ( { ونفس ما سواها } ) [ الشمس 7 ] باستقامة الروح الروحاني في الروح الحيواني بمثابة النور في الحدقة ، فصارت النفس بها قابلة للخير والشر والفجور والتقوى ، فإذا غلب الأمر بالتقوى صارت مزكاة عن الكدورات متوجهة إلى الدين قابلة لليقين ، وإذا غلب الأمر بالفجور صارت تابعة للهوى سالكة مسالك الردى :

صفحہ 376