مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ایڈیٹر
جمال عيتاني
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1422هـ - 2001م
پبلشر کا مقام
لبنان/ بيروت
( 123 ) ( وعن أبي الدرداء قال : ( بينما نحن عند رسول الله نتذاكر ) أي مع رسول الله ، أو مع بعضنا بحضرته وهو يسمع ( ما يكون ) ما موصولة ، أي الذي يحدث من الحوادث أهو شيء مقضي مفروغ منه فتوجد تلك الحوادث على طبقة ، أو شيء يوجد أنفا من غير سبق قضائه ؟ ( إذ قال رسول الله : إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوه ) أي لامكانه ، بل حكى وقوعه كما قيل : إن بعض جبال المغرب سار عن محله مسافة طويلة . ( وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه ) بضم اللام وتسكن ، أي خلقه الأصلي بالكلي ( فلا تصدقوا به ) أي بالخبر عنه بذلك فإنه غير ممكن عادة ، ولذا قال تعالى : 16 ( { والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس } ) [ آل عمران 134 ] ولم يقل والعادمين له . ( فإنه ) أي الرجل ، والمراد به الجنس ( يصير ) في كل ما يريد أن يفعله ويحدثه ( إلى ما جبل ) أي خلق وطبع ( عليه ) من الأخلاق ، قال ابن حجر : أي على وفق ما سبق به القضاء والقدر الذي لا يمكن أن يبدل ويغير ، فالكيس مثلا لا يصير بليدا ، والسخي لا يصير بخيلا ، والشجاع لا يصير جبانا وعكسها . وهذا مثال تقريبي باعتبار استبعاد العادة لزوال الجبل عن مكانه استبعادا يلحقه بالمحال العقلي ، وحينئذ فلا يقدح في ذلك إمكان زوال الجبل عن مكانه دون الخلق المقدر عما قدر عليه . ا ه . فإن قلت مدار الصوفية على تبديل الأخلاق فكيف هذا الحديث ؟ قلت : التحقيق أن كل أحد خلق وطبع فيه الأخلاق جميعها وهي صالحة بأصلها أن تكون حميدة وأن تكون ذميمة ، وإنما تحمد إذا كانت متوسطة بين طرفي الإفراط والتفريط والذميمة ضدها ؛ فمثلا السخاوة صفة معتدلة بين الإسراف والبخل ، وكذا الشجاعة بين التهور والجبن ، وكذا التواضع بين الضعة والتكبر ، والغالب على الناس [ عادة ] عدم الإعتدال ، فالصوفية يجاهدون ويرتاضون في الأخلاق ليبدلوها عن مقتضى العادة ويعدلوها على سنن الإستقامة والعبادة ، ولذا قيل : الإرادة ترك العادة ، ومن جملتها [ البغض ] وحالة اعتداله المحمود أن يكون في محله المرضي عند الله على القدر المحدود في الشرع ، وكذلك ضده المحبة . ولذا قال : ( من أحب لله وأبغض لله فقد استكمل إيمانه ) ، وأما إزالة صفة البخل من أصلها بالكلية فغير ممكنة إلا بالجذبة الإلهية ، ولذا قال تعالى : 16 ( { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا } ) [ الإسراء 100 ] أي بخيلا ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لأبتغى ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ) ، بل قيل : لو أزيلت الصفات الذميمة بالكلية عن الإنسان يكون ناقصا إذ كماله أن تغلب صفاته الحميدة وبهذا فضل نوع الإنسان على نوع الملك والله أعلم . والحاصل : أن التبديل الأصلي الذاتي غير ممكن كما أشار إليه الحديث النبوي ، وأما التبديل الوصفي فهو ممكن ، بل العبد مأمور به ويسمى تهذيب النفس وتحسين الأخلاق . قال تعالى : 16 ( { قد أفلح من زكاها } ) [ الشمس 9 ] وفي الحديث : ( حسنوا أخلاقكم ) ، وفي الدعاء : ( اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي ) ، ( واللهم اهدني لصالح الأعمال والأخلاق لا يهدى لصالحها إلا أنت ) ، ومن أراد الإستيفاء فعليه بالأحياء . ويمكن أن يقال إن الخلق المبرم لا يبدل والخلق المعلق يغير وهو مبهم عندنا معلوم عند الله فعلينا المجاهدة ، فكل ميسر لما خلق له . ولهذا ترى كثيرا من المرتاضين لم تحسن أخلاقهم في أزمنة طويلة وبعضهم تبدل أخلاقهم الذميمة بالحميدة في مدة قليلة ، أو النفي محمول على العادة من غير حصول الأسباب العادية والإثبات على خرقها ، وهو تارة يكون بالجذبة الإلهية ، وتارة بالرياضات النفسية ، وتارة بالعلوم والمعارف الربانية . قال ابن حجر : وفي الحديث إشارة إلى أنه ينبغي استحضار هذا في النظر للخلق بعد وقوع الأفعال منهم حتى تقام أعذارهم في كثير من أحوالهم التي لا يترتب على إقامتها فيها محذور ، فإن كلا يجري في تيار ما قدر له لا يخرج عنه مثقال ذرة في حركاته وسكناته . ( رواه أحمد ) وكذا ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردوديه في تفاسيرهم كلهم من طريق أبي جعفر الراوي عن الربيع عن أنس عن أبي العالية عن أبي ، وكان مقتضى دأب المصنف أن يقول : روى الأحاديث الخمسة أحمد .
( 124 ) ( وعن أم سلمة ) هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية رضي الله عنها ، وكانت قبل رسول الله تحت أبي سلمة ، فلما مات أبو سلمة سنة أربع تزوجها رسول الله في ليال بقين من شوال من السنة التي مات فيها أبو سلمة ، وماتت سنة تسع وخمسين ودفنت بالبقيع وكان عمرها أربعا وثمانين سنة ، وروى عنها ابن عباس وعائشة وزينب بنتها وابن المسيب وخلق سواهم كثير من الصحابة والتابعين . ( قالت : ( يا رسول الله لا تزال ) بالخطاب ، وقيل : بالغيبة ( يصيبك ) أي يحصل لك ( في كل عام ) أي سنة ( وجع ) بفتح الجيم ، أي ألم ( من الشاة ) أي من أجل أثر الشاة ( المسمومة ) أي بالسم الذي بالغ اليهودي في اصطناعه واتقانه ليقتل في وقته وساعته ( التي أكلت ) أي في خيبر كما في نسخة ( قال : ما أصابني شيء منها ) أي من تلك الشاة ، أو من تلك الأكلة ( إلا وهو ) أي ذلك الشيء من الألم ( مكتوب علي وآدم في طينته ) ) قال الطيبي : مثل للتقدير السابق لا تعيين ، فإن كون آدم في طينته أيضا مقدر قبله كما يقال ما لاح كوكب وما أقام ثبير في التأبيد وإن لم يكن مؤبدا . ا ه . ويؤيده قوله تعالى : 16 ( { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها } ) [ الحديد 22 ] أي نخلقها ، وقضية الشاة تأتي في باب المعجزات إن شاء الله تعالى ( رواه ابن ماجة ) .
4
2 ( باب إثبات عذاب القبر ) 2
قال الإمام النووي : مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر ، وقد تظاهرت عليه الأدلة من الكتاب والسنة . قال تعالى : 16 ( { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } ) [ غافر 46 ] وأما الأحاديث فلا تحصى كثرة ، ولا مانع في العقل من أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد ، أو في الجميع على خلاف بين الأصحاب فيثيبه ويعذبه ، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه كما يشاهد في العادة ، أو أكلته السباع والطيور وحيتان البحر لشمول علم الله تعالى وقدرته . فإن قيل : نحن نشاهد الميت على حاله فكيف يسأل ويقعد ويضرب ولا يظهر أثر ؟ فالجواب : إنه ممكن وله نظير في الشاهد وهو النائم ، فإنه يجد لذة وألما يحسه ولا نحسه ، وكذا يجد اليقظان لذة وألما يسمعه ويتفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه ، وكذلك كان جبريل يأتي النبي فيوحي بالقرآن المجيد ولا يراه أصحابه .
صفحہ 310