165

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

ایڈیٹر

جمال عيتاني

ناشر

دار الكتب العلمية

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

1422هـ - 2001م

پبلشر کا مقام

لبنان/ بيروت

( 122 ) ( وعن أبي بن كعب ) رضي الله عنه ( في قول الله عز وجل ) أي في تفسير قوله تعالى : ( 16 ( { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم } ) ) وفي نسخة صحيحة ، ذرياتهم ، وهما قراءتان متواترتان ( قال : ) أي أبي ( جمعهم ) أي الله بعد أن أخرجهم ( فجعلهم أزواجا ) أي ذكورا وإناثا ، أو أصنافا وهو الأظهر ولذا قال الطيبي : أي أراد جعلهم أصنافا ، وفسر الأصناف بقوله الآتي : ( فرأى الغني والفقير ) ( ثم صورهم ) أي على صورهم التي يكونون عليها بعد ( فاستنطقهم ) أي خلق فيهم العقل وطلب منهم النطق ( فتكلموا ) بما شاء الله ، أو بما سيأتي ( ثم ) أي بعد التصوير والإستنطاق بحكم تقدير الخلاق ( أخذ عليهم العهد ) أي بالتوحيد ( والميثاق ) وهو توكيد العهد بالإقرار ، أو المراد بالعهد 16 ( { لئن جاءتهم الرسل ليؤمنن بهم } ) والميثاق الإيمان المؤكدة ليوفن بذلك ( وأشهدهم على أنفسهم ) أي على ذواتهم أو بعضهم على بعض ، أو قال لهم اشهدوا على أنفسكم وعلى كل تقدير يؤيد قول من يقول : شهدنا بقولهم ( ألست بربكم ؟ ) إما استئناف بيان ، وإما التقدير أشهدهم بقوله : 16 ( { ألست بربكم } ) أي استشهدهم بهذا ( قالوا : بلى ) كذا في أكثر النسخ المصححة ، وفي بعضها متروك لفظا وإن كان مقدرا معنى إذ المعنى قالوا : بلى شهدنا ( قال : فإني أشهد عليكم السموات السبع ) أي نفسها بأن ركب فيها عقولا مع أن المحققين على أن لجميع الموجودات علما بموجدها ، أي نفسها أو أهلها ( والأرضين ) بفتح الراء وتسكن ( السبع ) كذلك ، أي زيادة على شهادتكم على أنفسكم وكفي بالله شهيدا ، وقال الطيبي : إشارة إلى نصب الدليل الظاهر فأشهد بمعنى أنصب وأبين ، ويؤيد الأول ظاهر قوله : ( وأشهد عليكم أباكم آدم ) وأول الطيبي هذا أيضا بأنه إلى قوله : ( يذكرونكم ) إشارة إلى النصوص الشاهدة الواردة من جهة الرسل ( أن تقولوا ) بالخطاب لا غير ( يوم القيامة لم نعلم ) أي لم نوقن بهذا ( اعلموا ) أي تحققوا الآن قبل مجيء ذلك الزمان وتبين الأمر بالعيان ( أنه لا إله غيري ) معبود ( ولا رب غيري ) موجود ( ولا تشركوا بي شيئا ) فإني مقصود ( إني ) قيل : بالفتح بدل اشتمال مما قبله ، وبالكسر استئناف وهو الأظهر ، أي إني مع هذا البيان ( سأرسل إليكم ) في مستقبل الزمان ( رسلي ) بالبرهان ( يذكرونكم ) بتشديد الكاف ( عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي ) بواسطة رسلي ، وفيها تبيان كل شيء مما يتعلق بعهدي وميثاقي ، ولذا قال تعالى : 16 ( { أوفوا بعهدي أوف بعهدكم } ) [ البقرة 40 ] وهذا كالتصريح لما قدمنا من الجمع بين الميثاق المقالي والحالي والعهد الحسي والمعنوي . ( قالوا : شهدنا ) أي علمنا واعترفنا ( بأنك ربنا ) ورب كل شيء رضينا بربوبيتك ( وإلهنا ) وإله كل شيء ، فنقوم بحق عبوديتك بمقتضى ألوهيتك ( لا رب لنا غيرك ) فإنك رب العالمين ( ولا إله لنا غيرك ) فإنك إله العابدين ، قال ابن حجر : كان وجه تقديمهم ههنا مقام الربوبية أن شهود تربية الحق حامل ، أي حامل على الإيمان بالألوهية فكان أحق بالتقديم هنا ، وإنما عكس ذلك في كلامه تعالى لأن مقام الألوهية ] هو الأحق بأن ينبه عليه لأنه الأصل وما عداه وسيلة وكما تقرر . ( فأقروا بذلك ) أي بجميع ما ذكر ( ورفع ) بالبناء للمفعول ، أي أشرف ( عليهم آدم عليه الصلاة والسلام ) من مقام عال ( ينظر إليهم ) حال ، أو مفعول له بتقدير إن كما في قوله : * احضر الوغى * ( فرأى ) أي آدم منهم ( الغني ) صورة ومعنى باعتبار الآثار اللائحة واللامعة ( والفقير ) يدا وقلبا ، وفي نسخة بتقديم الفقير ( وحسن الصورة ) أي الظاهرة والباطنة ( ودون ذلك ) أي في الحسن ، أو غير ما ذكر ( فقال : رب لولا ) أي هلا ( سويت ) يعني لم ما سويت ( بين عبادك ) والقصد به أن يبين له حكمته ( قال : إني أحببت أن أشكر ) بالبناء للمفعول ، أي أعرف بالأنعام وأشكر على الدوام على لسان الأنام ، وهذا المعنى يصحح معنى ما ينقل حديثا ولم يصح لفظا : ( كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأن أعرف ) ، ولذا قال ابن عباس في قوله تعالى : 16 ( { وم خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ) [ الذاريات 56 ] أي ليعرفون ، والمعنى ينظر الغني إلى الفقير فيشكر وينظر الفقير إلى دينه فيرى نعمته فوق الغني فيشكر ، ويرى حسن الصورة جماله فيشكر وقبيح الصورة حسن خصاله فيشكر كذا قاله الطيبي . وهو موهم أن حسن الصورة والسيرة لا يجتمعان ، وأن الغنى والدين متنافيان ، فالأحسن ما قاله شيخنا ابن حجر المكي : إن الغني يرى عظيم نعمة الغني ، والفقير يرى عظيم نعمة المعافاة من كدر الدنيا ونكدها وتعبها الذي لا حاصل له غير طول الحساب وترادف المحن وتوالي العذاب ، وحسن الصورة يرى ما منحه من ذلك الجمال الظاهر الدال على الجمال الباطن غالبا ، وغيره يرى أن عدم الجمال أدفع للفتنة وأسلم من المحنة ؛ فكل هؤلاء يرون مزيد تلك النعم عليهم فيشكرون عليها ولو تساووا في وصف واحد لم يتيقظوا لذلك . ( ورأى ) أي آدم ( الأنبياء ) وهم أعم من الرسل ( فيهم ) أي حال كونهم مندرجين في جملتهم ( مثل السرج ) جمع سراج ( عليهم النور ) أي يغلب كأنه بيان لوجه شبههم بالسرج ، فإن الخلق خلقوا في ظلمة والأنبياء أنوار الله عليهم لائحة يهتدون بهم إلى ربهم ، وفيه إشارة إلى أن لأنبياء أيضا لا يخلون عن ظلمة الأخلاق البشرية ، لكن يغلب عليهم العصمة الإلهية والأنوار الربانية ولذا ، ( خصوا بميثاق آخر ) بعدما دخلوا في عموم ميثاق العوام للإهتمام التام بمرامهم عليهم الصلاة والسلام ، فقوله : ( خصوا ) استئناف ، أو صفة للأنبياء . ( في الرسالة والنبوة ) أي في شأنهما والقيام بحقهما ، والفرق بينهما أن النبي من أنبأ عن الله سواء أمر بأن أنبىء عن الله أم لا ، والرسول من أمر بتبليغ الرسالة . ( وهو قوله تبارك وتعالى ) أي هذا الميثاق هو المراد من قوله : ( 6 ( { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } ) إلى قوله 6 ( { عيسى بن مريم } ) ) وما قبله 6 ( { ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى } ) [ الأحزاب 7 ] ففيه تخصيص بعد تعميم ، فإن الخمسة هم أولو العزم على الأصح ، وقدم نبينا في الذكر لتقدمه في الرتبة ، أو في الوجود أيضا لقوله : ( أول ما خلق الله روحي ) وقوله : ( كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد ) . ثم قال تعالى : 6 ( { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } ) [ الأحزاب 7 ] أي عظيما مؤكدا يسأل الصادقين عن صدقهم ، والظاهر منه أن الميثاق الخاص هو العهد بالصدق والإخلاص ، والأظهر أن ميثاق الأنبياء إنما هو مظاهرة بعضهم بعضا بالإيمان والتصديق والنصرة والمعاونة كما قال تعالى في موضع آخر : 6 ( { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال : أأقررتم وأخذتم على ذلكم اصري ؟ } ) أي عهدي 6 ( { قالوا أقررنا ، قال : فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } ) [ آل عمران 81 ] وهذا الميثاق الخاص يحتمل أن يكون بعد العام ، والأظهر أن يكون قبله في عالم الأرواح تعظيما لهم وتكريما ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام : ( كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد ) ويدل عليه قوله : ( كان ) أي عيسى ( في تلك الأرواح فأرسله ) أي روحه ، وهو يذكر ويؤنث ، يعني مع جبريل عليه الصلاة والسلام ( إلى مريم عليهما السلام ) بصيغة التثنية والصحيح ( فحدث ) بصيغة المجهول ، أي روي ( عن أبي أنه دخل ) أي الروح إلى جوفها ثم رحمها ، وإنما ذكر الروح بتأويل المنفوخ أو عيسى كذا قاله الطيبي . وفي القاموس الروح بالضم ما به حياة الأنفس ويؤنث . ا ه . فجعل التذكير أصلا كما هو الأصل في اللفظ . ( من فيها ) ) أي من فمها كذا قاله الأبهري ، وهو إشارة إلى قوله تعالى : 16 ( { فنفحنا فيه } ) [ التحريم 120 ] أي في فيها ، وقرأ ابن مسعود 16 ( { فيها } ) أي في مريم ، وهو يحتمل أن يكون المراد في فمها ، أو في جيب درعها ، ويجمع بينهما بفرض ثبوتهما بأن بعض تلك النفخة دخلت من جيبها وبعضها من فمها . وتخصيص عيسى وتقييده بقوله : ( دخل من فيها ) تسجيل على النصارى بركاكة عقولهم ، أي كيف يتخذ إلاها من دون الله من هذا حاله [ كذا ] قاله الطيبي . ونظيره قوله تعالى : 16 ( { كانا يأكلان الطعام } ) [ المائدة 75 ] قيل : هو كناية عن يبولان ويغوطان ( رواه أحمد ) .

صفحہ 308