مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ایڈیٹر
جمال عيتاني
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1422هـ - 2001م
پبلشر کا مقام
لبنان/ بيروت
( 100 ) ( وعن أبي موسى قال : سمعت رسول الله يقول : ( إن الله خلق آدم من قبضة ) بالضم ويفتح ، ومن ابتدائية متعلقة بخلق ، أو بيانية حال من آدم . ( قبضها ) أي أمر الملك بقبضها ، والقبضة بالضم ملء الكف ، وربما جاء بفتح القاف كذا في الصحاح ، وفي القاموس القبضة وضمه أكثر ما قبضت عليه من شيء ، وفي النهاية القبض الأخذ بجميع الكف والقبضة المرة منه وبالضم الاسم منه . ( من جميع الأرض ) يعني وجهها أي من جميع ما قدر الله أن يسكنه بنو آدم من الأرض وليس مراده من جميع الأرض لأن من الأرض ما لا يصل إليه قدم آدمي ؛ والقابض من جميع الأرض هو عزرائيل عليه الصلاة والسلام فنسب الفعل إليه تعالى لأنه بأمره وإرادته ، ولما كان عزرائيل متولي القبضة ولي قبض الأرواح من أجسادها ليرد وديعة الله التي قبضها من الأرض إليها كذا قاله زين العرب . وفيه إشارة إلى آية : 16 ( { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } ) [ طه 55 ] هذا وذكر السيوطي رحمه الله في الدر المنثور عن أبي هريرة قال : خلقت الكعبة قبل الأرض بألفي سنة ، قالوا : كيف خلقت قبل وهي من الأرض ؟ قال : كانت خشفة على الماء ، وهي بالخاء والشين المعجمتين والفاء ، أي حجرة ، أو أكمة ، أو جزيرة عليها ملكان يسبحان الليل والنهار ألفي سنة ؛ فلما أراد الله أن يخلق الأرض دحاها منها فجعلها في وسط الأرض ، فلما أراد الله أن يخلق آدم بعث ملكا من حملة العرش يأتي بتراب من الأرض ، فلما هوى ليأخذ قالت الأرض : أسألك بالذي أرسلك أن لا تأخذ مني اليوم شيئا يكون منه للنار نصيب غدا فتركها ، فلما رجع إلى ربه قال : ما منعك أن تأتي بما أمرتك ، قال : سألتني بك فعظمت أن أرد شيئا سألني بك ، فأرسل آخر فقال : مثل ذلك حتى أرسلهم كلهم ، فأرسل ملك الموت فقالت له مثل ذلك ، قال : ( إن الذي أرسلني أحق بالطاعة منك ، فأخذ من وجه الأرض كلها من طيبها وخبيثها حتى كانت قبضة عند موضع الكعبة ، فجاء به إلى ربه فصب عليه من ماء الجنة ، فجاء حمأ مسنونا فخلق منه آدم بيده ) الحديث . ( فجاء بنو آدم علي قدر الأرض ) أي مبلغها من الألوان والطباع ( منهم الأحمر والأبيض والأسود ) بحسب ترابهم ، وهذه الثلاثة هي أصول الألوان وما عداها مركب منها وهو المراد بقوله : ( وبين ذلك ) أي بين الأحمر والأبيض والأسود باعتبار أجزاء أرضه ( والسهل ) أي ، ومنهم السهل ، أي اللين ( والحزن ) بفتح الحاء وسكون الزاي ، أي الغليظ ( والخبيث ) أي خبيث الخصال ( والطيب ) ) على طبع أرضهم ، وكل ذلك بتقدير الله تعالى لونا وطبعا وخلقا ، قال الطيبي : ولما كانت الأوصاف الأربعة ظاهرة في الإنسان والأرض أجريت على حقيقتها ، وأولت الأربعة الأخيرة لأنها من الأخلاق الباطنة ؛ فإن المعنى بالسهل الرفق واللين وبالحزن الخرق والعنف ، وبالطيب الذي يعني به الأرض العذبة المؤمن الذي هو نفع كله ، وبالخبيث الذي يراد به الأرض السبخة الكافر الذي هو ضر كله ، والذي سيق له الحديث هو الأمور الباطنة لأنها داخلة في حديث القدر بالخير والشر ، وأما الأمور الظاهرة من الألوان وإن كانت مقدرة فلا اعتبار لها فيه . ا ه . ويمكن أن يكون لها اعتبار إشارة إلى أن هذه الأوصاف والآثار بمنزلة هذه الألوان في كونها تحت الأقدار ، غايته أن الأوصاف قابلة للزيادة والنقصان بحسب الطاعة والإمكان لمجاهدة الإنسان بخلاف الألوان ، وإن نظرت إلى الحقيقة فلا تبديل ولا تغيير لخلق الله ، وهذا معنى قوله : ( جف القلم على علم الله ) ( رواه أحمد والترمذي وأبو داود ) وكذا الحاكم والبيهقي .
( 101 ) ( وعن عبد الله بن عمرو ) بالواو ( قال : سمعت رسول الله يقول : ( إن الله خلق خلقه ) أي الثقلين من الجن والإنس لا الملائكة ( في ظلمة ) أي كائنين في ظلمة النفس الأمارة بالسوء المجبولة بالشهوات المردية والأهواء المضلة والركون إلى المحسوسات والغفلة عن عالم الغيب ( فألقى ) أي رش ( عليهم ) شيئا ( من نوره ) فمن نوره صفة محذوف ، أي شيئا منه ، ومن للتبيين ، أو للتبعيض ، أو زائدة . والمراد منه نور الإيمان والمعرفة والإيقان والطاعة والإحسان ( فمن أصابه من ذلك النور ) أي نوره المعنوي الواصل إليه . والنور مجرور ويجوز أن يرفع على أنه فاعل أصابه ومن ذلك حال منه ذكره العيني . ( اهتدى ) أي إلى طريق الجنة ( ومن أخطأه ) أي ذلك النور يعني جاوزه ولم يصل إليه ( ضل ) أي خرج عن طريق الحق ، وقيل : المراد بالنور الملقى إليهم ما نصب من الشواهد والحجج وما أنزل إليهم من الآيات والنذر ، إذ لولا ذلك لبقوا في ظلمات الضلالة في بيداء الجهالة ، وقيل : المراد بالظلمة كالحرص والحسد والكبر وغيرها من الأخلاق الذميمة وبالنور التوفيق والهداية بقلع ذلك ، فمن وفقه لذلك اهتدى ومن لم يوفقه ضل وغوى ، وقيل : المراد بالظلمة الجهالة وبالنور المعرفة ، يعني خلق الله الخلق جاهلين به وبصفاته فعرفهم ذاته وصفاته ليعرفوه ، وقيل : المراد أنه خلق أرواحهم في ظلمة وحيرة فألقى عليهم نور الرحمة والهداية ولولا ذلك لم يهتد إليه أحد :
لولا الله ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
صفحہ 280