142

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

ایڈیٹر

جمال عيتاني

ناشر

دار الكتب العلمية

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

1422هـ - 2001م

پبلشر کا مقام

لبنان/ بيروت

( 96 ) ( وعن عبد الله بن عمرو ) بالواو ( رضي الله عنهما قال : خرج رسول الله وفي يديه ) وفي بعض النسخ : ( وفي يده ) كما في أكثر نسخ المصابيح فيراد بها الجنس ( كتابان ) والواو للحال ( فقال : أتدرون ) أي أتعلمون ( ما هذان الكتابان ؟ ) الظاهر من الإشارة أنهما حسيان ، وقيل : تمثيل واستحضار للمعنى الدقيق الخفي في مشاهدة السامع حتى كأنه ينظر إليه رأي العين ، فالنبي لما كوشف له بحقيقة هذا الأمر وأطلعه الله عليه اطلاعا لم يبق معه خفاء صور الشيء الحاصل في قلبه بصورة الشيء الحاصل في يده ، وأشار إليه إشارة إلى المحسوس ( قلنا : لا ) أي لا ندري ( يا رسول الله إلا أن تخبرنا ) استثناء مفرغ ، أي لا نعلم بسبب من الأسباب إلا بإخبارك إيانا ، وقيل : الإستثناء منقطع ، أي لكن إن أخبرتنا علمنا ، وكأنهم طلبوا بهذا الإستدراك إخباره إياهم . ( فقال : للذي في يده اليمنى ) أي لأجله وفي شأنه ، أو عنه ، وقيل : ( قال ) بمعنى أشار فاللام بمعنى إلى ( هذا كتاب من رب العالمين ) خصه بالذكر دلالة على أنه تعالى مالكهم وهم له مملوكون يتصرف فيهم كيف يشاء فيسعد من يشاء ويشقي من يشاء وكل ذلك عدل وصواب فلا اعتراض لأحد عليه ، وقيل : الظاهر أن هذا كلام صادر على طريق التصوير والتمثيل مثل الثابت في علم الله تعالى ، أو المثبت في اللوح بالمثبت بالكتاب الذي كان في يده ، ولا يستبعد اجراؤه على الحقيقة فإن الله تعالى قادر على كل شيء والنبي مستعد لإدراك المعاني الغيبية ومشاهدة الصور المصوغة لها . ( فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ) الظاهر أن كل واحد من أهل الجنة وأهل النار يكتب أسماؤهم وأسماء آبائهم وقبائلهم سواء كانوا من أهل الجنة أو النار للتمييز التام كما يكتب في الصكوك ، قال الأشرف : أهل الجنة تكتب أسماؤهم وأسماء آبائهم وقبائلهم الذين هم أهل النار في الكتاب الذي باليمين وبالعكس في أهل النار ، وإلا فالآباء والأبناء إذا كانوا من جنس أهل الجنة أو من جنس أهل النار فلا حاجة إلى إفراد ذكرهم لدخولهم تحت قوله : ( فيه أسماء أهل الجنة وفيه أسماء أهل النار ) . ( ثم أجمل على آخرهم ) من قولهم : أجمل الحساب إذا تمم ورد التفصيل إلى الإجمال وأثبت في آخر الورقة مجموع ذلك وجملته كما هو عادة المحاسبين أن يكتبوا الأشياء مفصلة ثم يوقعوا في آخرها فذلكة ترد التفصيل إلى الإجمال . وضمن ( أجمل ) معنى أوقع فعدى بعلي ، أي أوقع الإجمال على من انتهى إليه التفصيل ، وقيل : ضرب بالإجمال على آخر التفصيل ، أي كتب ويجوز أن يكون حالا ، أي أجمل في حال انتهاء التفصيل إلى آخرهم فعلى بمعنى إلى ( فلا يزاد فيهم ) جزاء شرط ، أي إذا كان الأمر على ما تقرر من التفصيل والتعيين والإجمال بعد التفصيل في الصك فلا يزاد فيهم ( ولا ينقص ) بصيغة المجهول ( منهم أبدا ) لأن حكم الله لا يتغير ، وأما قوله تعالى : 16 ( { لكل أجل كتاب * يمحو الله ما يشاء ويثبت } ) [ الرعد 38 39 ] فمعناه لكل انتهاء مدة وقت مضروب فمن انتهى أجله يمحوه ومن بقي من أجله يبقيه على ما هو مثبت فيه ، وكل ذلك مثبت عند الله في أم الكتاب وهو القدر كما أن ما يمحو ويثبت هو القضاء ، فيكون ذلك عين ما قدر وجرى في الأزل كذلك فلا يكون تغيير ، أو المراد منه محو المنسوخ من الأحكام وإثبات الناسخ ، أو محو السيئات من التائب وإثبات الحسنات بمكافأته وغير ذلك . ويمكن أن يقال : المحو والإثبات يتعلقان بالأمور المعلقة دون الأشياء المحكمة والله أعلم . ففي الجامع الصغير برواية الطبراني عن ابن عباس مرفوعا : ( إن الله تعالى خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء ، قلمه نور وكتابه نور لله في كل يوم ستون وثلثمائة لحظة يخلق ويرزق ويميت ويحيى ويعز ويذل ويفعل ما يشاء ) ، قال ابن حجر : ولا ينافيه قوله تعالى : 16 ( { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } ) [ الرعد 39 ] لما مر أن المحو والإثبات إنما هو بالنسبة لما في اللوح المحفوظ وعلم الملائكة لأن الأشياء فيه قد تكون معلقة على أسباب يتغير بوجودها وفقدها لا لأم الكتاب المراد بها علم الله تعالى القديم لأنه لا محو فيه ولا إثبات . وسر ذلك التعليق مع أنه لا يقع إلا الموافق للعلم القديم مزيد التعمية على الملائكة المطلعين على ذلك ، وتحقيق انفراده تعالى بعلمه القديم ، وإنه لا يمكن أحدا أن يطلع عليه إلا بالنسبة لجزئيات معينة كإعلامه عليه الصلاة والسلام لجماعة من أصحابه على التعيين أنهم من أهل الجنة . ( ثم قال للذي في شماله : هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ) والفاسق مسكوت عنه كما هو دأب الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في جميع الأحكام الوعدية والوعيدية ليكون بين الخوف والرجاء راضيا بما جرى عليه من القضاء ، والأظهر أنه مكتوب في أهل الجنة لأن مآله إليها وإن دخل النار فإن الخاتمة هي المدار عليها . ( ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا فقال أصحابه : ) رضي الله عنهم ( ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه ؟ ) بصيغة المجهول ، يعني إذا كان المدار على كتابة الأزل فأي فائدة في اكتساب العمل ؟ ( فقال : سددوا ) أي اجعلوا أعمالكم مستقيمة على طريق الحق ( وقاربوا ) أي اطلبوا قربة الله تعالى بطاعته بقدر ما تطيقونه ، والجواب من أسلوب الحكيم ، أي فيم أنتم من ذكر القدر والإحتجاج به وإنما خلقتم للعبادة فاعملوا وسددوا وقاربوا قاله الطيبي . وقال الشيخ ابن حجر في شرح البخاري : سددوا ، أي الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط وتفريط وقاربوا ، أي إن لم تستيطعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه . وقال الكرماني : وقاربوا في العبادة ولا تباعدوا فإنكم إن باعدتم في ذلك لم تبلغوه ، أو معناه ساعدوا . يقال : قاربت فلانا إذا ساعدته ، أي ليساعد بعضكم بعضا في الأمور . وحاصل الجواب والله أعلم بالصواب نفي الجبر والقدر وإثبات الحكم باعتدال الأمرين كتابة الأزل وسراية العمل ، أو لأن الأعمال أمارات وعلامات فلا بد من وجودها إذ لا يعمل الله تعالى بمجرد علمه والله أعلم . ولذا قال : ( فإن صاحب الجنة يختم له ) بصيغة المجهول ( بعمل أهل الجنة ) أي بعمل مشعر بإيمانه ومشير بإيقانه ( وإن عمل ) أي ولو عمل قبل ذلك ( أي عمل ) من أعمال أهل النار ( وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار ) أعم من الكفر والمعاصي ( وإن عمل أي عمل ) أي قبل ذلك ( من أعمال أهل الجنة ، ثم قال رسول الله : ) أي أشار ( بيديه ) العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال فتطلقه على غير الكلام واللسان فتقول : قال : بيده ، أي أخذ وقال برجله ، أي مشى :

وقالت له العينان : سمعا وطاعة

وحدرتا كالدر لما يثقب

صفحہ 275