معنى ذلك -إن شاء الله- في حقِّ النساء؛ لأنهن ممَّن لا غناء عندهن، ولا طاقة لهن بالقتال (١)، مع ما كتب عليهن من الحجاب، وتَرْك التعرُّض لمواطن
الرّجال (٢)، ولهذا المعنى؛ قد يروي هذا الحَرْفَ بعض الرواة (٣): «لكُنَّ أفضل الجهاد: حجٌّ مبرور»، فجَعَل (لَكُنَّ) ضميرَ النساء، ويدل على ذلك ما خرَّجه البخاري (٤) عن عائشة ﵂، قالت: استأذنت النبيَّ ﷺ في الجهاد، فقال: «جهادكنَّ الحج» .
(١) نقل غير واحد الإجماع على أنه لا يجب على النساء القتال الكفائي. انظر: «شرح السير الكبير» (١/٢٠٠)، «قوانين الأحكام الشرعية» (ص ١٦٣)، «مغني المحتاج» (٤/٢٠٩)، «حاشية ابن عابدين» (٤/٢٥)، «بداية المجتهد» (١/٢٨١)، «مراتب الإجماع» (ص ١١٩) .
وصرح بالحكمة المذكورة جمع، قال السرخسي في «المبسوط» (١٠/١٦): «لأنهنَّ عاجزات عن القتال بُنْيَةً» . وقال الكاساني في «بدائع الصنائع» (٩/٤٣٠١): «ولا جهاد على الصبي والمرأة، لأنَّ بُنْيَتَهُمَا لا تحتمل الحرب عادة»، ومثله في «الهداية» (٥/٢٤٢- مع شرحه «فتح القدير»)، و«مغني المحتاج» (٤/٢١٦)، و«المهذب» (٢/٢٢٧)، و«المغني» (٨/٣٤٧) .
(٢) مثله كلام ابن رشد في «المقدمات الممهدات» (١/٢٦٧): «إنّ الجهاد لا يتأتى للمرأة إلا بضد ما أمرت به من الستر، والقرار في بيتها»، وكلام الشوكاني في «النيل» (٧/٢٧٢): «وإنما لما يكن واجبًا لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال، فلذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد»، ونحوه في «مواهب الجليل» (٣/٣٤٧) . وذكر بعض الفقهاء شيئًا زائدًا، وهو: إن إسقاط القتال عن المرأة لانشغالها بحق الزوج، نص عليه المرغيناني وابن الهمام، انظر: «فتح القدير» (٥/١٩٤)، وانظر مناقشة هذه التعليلات عند هيكل في «الجهاد والقتال» (٢/١٠٢٠-١٠٢١) .
(٣) قال القاضي عياض في «مشارق الأنوار» (١/٣٥٨): «يروى (لكن) بضم الكاف وكسرها، وتشديد النون وسكونها، وهو ضبط أكثرهم، وكان في كتاب الأصيلي مهملًا، وكلاهما صحيح المعنى، فإذا كان بضمٍّ الكاف اختصّ به النساء تصريحًا، وعليه يدل أول الحديث، والحديث الآخر: «جهادكن الحج»، وإذا كان بكسر الكاف، فبمعناه، أي: لكِنْ أفضل الجهاد، لَكُنَّ وفي حَقِّكُنَّ، وقد بينا هذا في كتاب «الإكمال»»، ولخص كلامه بإيجاز شديد ابنُ قُرْقول في «مطالع الأنوار» (ق ٣٠١- المكتبة العامة/ السعودية) .
(٤) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب جهاد النساء) (رقم ٢٨٧٥) .
1 / 85
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.