وسبب الاختلاف: تعارضُ ظاهر آية الغنائم في وجوه القسم على جماعة الغانمين، وظاهر قوله ﷺ: «من قتل قتيلًا له عليه بينةٌ، فله سلبه» (١) .
فمن حمل ذلك من قوله ﷺ على أنه إنزالُ شرعٍ، وحكمٌ عامٌّ في المسلمين، وكان من مذهبه تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد؛ جعل الآية مخصَّصة في غير السَّلب، وكان عنده: السَّلب جميعًا للقاتل.
ومن حمل ذلك من قوله ﷺ على وجه التنفيل منه في ذلك الجيش، وما يرجع إلى حكم الاجتهاد من الإمام بحسب الأحوال، كان السَّلبُ وغيره سواءً عنده في حكم الغنيمة، واستحقاق القسم على جماعة الغانمين، إلا أن يرى الإمام تنفيله للقاتل على حسب ما فعلَ رسول الله ﷺ في ذلك الجيش (٢) .
وأما من رأى تخميس السَّلب إذا كثر؛ فلا أعرف فيه دليلًا، إلا ما يخرج مخرج الاستحسان. فإن قيل: دليله عموم آية الخمس (٣)؛ لزم عليه أن يكون ذلك يجري في القليل كما يجري في الكثير، والله أعلم.
وأمَّا حدُّ السلب، وعلى ماذا يقع، إذا قيل بوجوب ذلك للقاتل؟ فلأهل العلم
= وهو رواية عن أحمد، اختارها الخلال. انظر: «المحرر» (٢/١٧٩)، «الإفصاح» لابن هبيرة (٢/٢٨٠)، «المغني» (١٣/٦٣) .
وروي عن الأوزاعي، وهو قول سفيان الثوري -كما ذكر ذلك المصنف-. انظر: «الرد على سير الأوزاعي» (٤٦-٤٧)، «عمدة القاري» (١٥/٦٩- ط. عيسى البابي الحلبي)، «تفسير القرطبي» (٨/٥)، «بداية المجتهد» (١/٦٨٠)، «شرح السنة» (١١/ ١٠٨)، «الأموال» لأبي عبيد (٣٩١ رقم ٧٨٨)، «فقه الأوزاعي» (٢/٤٤٨)، «موسوعة فقه سفيان الثوري» (٢٦٤ و٥١٢) .
(١) أخرجه البخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١)، وقد مضى قريبًا.
(٢) في حديث أبي قتادة مرفوعًا: «من قتل قتيلًا فله سلبه»، أبلغ دلالة على أن إذن الإمام لا يشترط؛ فقد قال ﷺ مقولته تلك يوم حُنين بعدما قتل أبو قتادة الرجل، وإذا ثبت عن النبي ﷺ شيء لم يجز تركه، والله أعلم.
(٣) كذا في الأصل، وكتب الناسخ في هامش نسخته: «لعله سقط من هنا: قلت. أو: قلنا. أو نحو هذا» . قلت: أي تصبح العبارة هكذا: فإن قيل: دليله عموم آية الخمس، قلنا: لزم عليه ... .
1 / 479
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.