وأمَّا المجنون، فإن كان مُطبقًا، لم يسهم له، وهو كالصبي في عدم التكليف، بل هو في هذا الباب أسوأ حالًا منه؛ لأنه لا يَتَأتَّى منه فعل الجهاد، كما قد يتأتى بعض ذلك من الصَّبيِّ إذا اشتدَّ، وكان مراهقًا، والإسهام إنما يستحقه المسهم له بفعل الجهاد: من قتالٍ، أو لزوم ساقة، أو انتصابٍ في كمين، أو حراسة أحوال المقاتلين، وما أشبه ذلك، فإذا لم تكن فيه أهلية ذلك فِعلًا ولا قصدًا، فأنَّى يَستحقُّ حظًّا، فإن كان عنده من العقل ما يمكنه به القتال، فقيل: إنه يسهم له، وذلك ظاهرٌ إن كان عقله مما يُنَزَّلُ عليه التكليف، مثل أن يكون أخرق، أو أهوجَ -وهما أول مراتبِ ضعفِ العقل وعدم التثبت والرفق-، ونحو ذلك مما لا يُسقط عنه الأحكام، وأما إن كان بحيث لا يُكلَّف مثله، وهو مع ذلك يمكن أن يُفاد لبعض كفاية المقاتلين، فيغنى فيه؛ فالإسهام له
إنما يكون نحوًا من الإسهام للمراهق إذا أطاق القتال فقاتل مع الجيش، فمن رأى الإسهام لذلك، أمكن أن يراه لهذا، والظاهر أن لا سهم لهما، لما تقدَّم، والله أعلم (١) .
فصلٌ
وأمَّا المريض، فإن كان زمِنًا لا يستطيع شيئًا في الحال، ولا يُرجى في المآل، ولا ينتفع منه في عمل الجهاد بأمر، فالمروي عن أصحاب مالك: أنه لا يُسهم له، وذلك كالمفلوج اليائس (٢) .
(١) قال ابن شاس في «عقد الجواهر الثمينة» (١/٥٠٦) -ونقله عنه القرافي في «الذخيرة» (٣/٤٢٥) -: «وأمّا فقد العقل؛ فإن كان مطبقًا، فلا يسهم له إذا خرج كذلك من دار الإسلام، وإن كان ذلك طارئًا عليه في دار الحرب، ففي الإسهام له خلاف»، قال: «وإن كان يفيق، فإن كان بحيث يتأتّى منه القتال أسهم له، وإلا فلا» .
(٢) قال القاضي عبد الوهاب في «المعونة» (١/٦١١): «وإن حَضَرَ مريضًا لا يمكنه القتال =
1 / 381
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.