يكون نظر الإمام في الأسرى بحسب الاجتهاد والمصلحة لأهل الإسلام، فمن خُشيت شجاعته منهم وإقدامُهُ، أو رأيُهُ وتدبيرُه، وما أشبه ذلك (١) من الوجوه التي تعود بتقوية بأس العدو على المسلمين في بقائه؛ كان الأولى قَتْلُهُ، إلا أن يَعرضَ هناك ما يمنع، وتكونُ مراعاته أهم، مثل أن يكون في بلاد الكفر أسيرٌ من المسلمين، لا يُستطاع إخراجه إلا بالمفاداة بهذا، وما أشبه ذلك من وجوه النَّظَرِ في الحال، وذلك غير مُنْحَصرٍ، بل هو بحسب ما يرى الحاضر والمجتهد، ومن لم يكن من الأسرى على هذه الصِّفة، وكان في المفاداة به مصلحةٌ وتقويةٌ للمسلمين بالمال، وما أشبه ذلك مما لا ينحصر -أيضًا- من وجوه النَّظَر، فالأوْلَى المفاداةُ، ومن يُرجى إسلامُه بَعدُ، أو الانتفاع به في استمالة أهلِ الكفر أو كسرِ شوكتهم، وما في معنى ذلك إذا رُدَّ وأُنعم عليه، فالأَوْلَى المَنُّ، ومن كان صانعًا أو عسيفًا يُنتفع بمثله في الخدمة، ولم يعرض فيه وجهٌ من الوجوه المتقدمة؛ اسْتُرِقَّ هؤلاء، أو ضُربت عليهم الجزية، إن كانوا من أهلها، على حسب ما يظهر من ذلك (٢) .
وبالجملة، فالنَّظر في هذه الوجوه لمصالح المسلمين بحسب الحال أوسَعُ من هذا، وإنما نَبَّهنا على أنموذج من طريق النَّظَر، لا أنَّ ذلك واجبٌ بعينه، إلا أنه لا ينبغي أن يميل إلى واحدٍ من هذه الوجوه إلا لمصلحةٍ في حقّ المسلمين، يغلب على نظره واجتهاده أنها أَوْلى، فأمَّا القتل، فما دام الإمام مُرتئيًا لم يعزم على واحدةٍ
(١) كمن يكون شديد العداوة للإسلام، وإنه إن ترك بمنٍّ أو فداء سيسعى في المسلمين قتلًا، وهو ما يسمى اليوم بـ: مجرم حَرب.
وانظر: «من أحكام الحرب في الشريعة الإسلامية والقانون» (ص ١٤١) .
(٢) تاريخ المسلمين شاهد على معاملتهم الحسنة للأسرى، خلافًا لغيرهم من الكفار في معاملتهم الوحشية للأسرى.
انظر -على سبيل المثال- في معاملتهم الأسرى كتاب «جرائم الحرب في فيتنام» للانجليزي «برتراند راسل»، ترجمة: محمود فلاحة، «حكم الأسرى في الإسلام» للدكتور عبد السلام الأدغيري.
1 / 269
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.