الممانعة، ويتقرر على هذا: أنه لا يسوغ الأسر إلا بعد الإثخان، كما قال سعيد، ثم يكون الاجتهاد فيهم بعدُ بالوجوه المذكورة للإمام؛ قال مجاهد (١): الإثخان: القتل، وقال محمد بن إسحاق صاحب «المغازي» (٢): «حتى يثخن في الأرض: أي: ثخَّن عدوَّه حتى ينفيه من الأرض» . وقال أبو عبيدة (٣): معناه: حتى يغلب ويبالغ. وهذا الوجه الذي قرَّرنا الاستدلال عليه هو -إن شاء الله- أَرجْحُ الأقوال؛
لأن اعتقاد النَّسخ لا يَحسنُ إلا حيثُ يقوم عليه الدليل بالتوقيفِ ونحوه، أو حيث لا يمكنُ الجمعُ البَتَّة، ويُعلمُ المتأخِّرُ مع ذلك، فيكون هو الناسخ، وإلا فهو ظَنٌّ، والله -تعالى- يقول: ﴿وإَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]، فإذا تقرر ذلك فالأسرى يجوز فيهم للإمام القتلُ والمنُّ والفداءُ، وكذلك الاسترقاقُ، هذا ما لم يختلف فيه الصَّائرون إلى هذا المذهب: مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثورٍ، وأحمد، وأبو عبيدٍ، وغيرهم، ومنع أبو حنيفة المَنَّ والفداء، وخيَّر بين الاسترقاق والقتل (٤) .
فأمَّا ضرب الجزية؛ ففي شروط ذلك والقول به عامًَّا في الكُفَّار أو خاصًّا خلافٌ، نذكره -إن شاء الله- في (الباب التاسع)، حيثُ أَفْرَدْناه للجزية وأحكامِها، ونتعرض في هذا الموضع للتنبيه على أحكام سائر الوجوه غيرِ الجزية، وذكر مسائل مما يتعلق بذلك -إن شاء الله تعالى-.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥/١٧٣٢ رقم ٩١٥٤)، وابن جرير (٦/٤٣) في «تفسيريهما» عن مجاهد. وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٤/١٠٩) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.
ونقله ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٢٩) عنه -أيضًا-.
(٢) (ص ٢٨٧- تحقيق محمد حميدالله)، وفي المطبوع: يثخن عدوَّه، وكذا نقلها عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٢٩) .
(٣) في «مجاز القرآن» (ص ٢٥٠)، وفيه: حتى يغلب ويغالب ويبالغ، ووقع «حتى يغلب ويبالغ» في مطبوع «الأوسط» (١١/٢٢٩) منسوبًا إلى أبي عبيد!!
(٤) سبق توثيق مذاهب جميع المذكورين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
1 / 268
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.