وقولٌ ثانٍ: إنها مقصورة على أهل بدرٍ خاصة، وإليه ذهب الحسن، ورُوي مثل ذلك عن أبي سعيدٍ، وأبي نَضْرةَ، ونافعٍ، وعكرمةَ، وغيرهم، وكان الحسن يقول: ليس الفرار من الزحف من الكبائر (١) .
= (١١٢١١)، وأصل الحديث عند البخاري في «صحيحه» في كتاب التفسير (باب قوله -تعالى-: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُم﴾) (رقم ٤٦٥٣) .
وليس في رواية البيهقي، ولا البخاري ذِكْرُ النَّسْخ، وإنما فيهما ذكر التخفيف. والمعنى متقارب. والمراد -هنا- التخفيف، لا الفرار من الزحف.
وأخرج سعيد بن منصور في «سننه» (١٠٠١- ط. الحميد، ورقم ٢٥٣٨- ط. الأعظمي)، وابن المبارك في «الجهاد» (رقم ٢٣٥)، والشافعي في «الأم» (٤/١٦٠)، و«مسنده» (رقم ٣٨٨)، والبيهقي (٩/٧٦) من طريق سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن ابن عباس، قال: من فرَّ من ثلاثة فلم يفر، ومن فرَّ من اثنين فقد فرَّ.
وسنده ضعيف، فابن أبي نجيح هو عبد الله بن يسار؛ مدلس، وقد عنعن، ثم هو لم يلحق أحدًا من الصحابة. قاله علي بن المديني. انظر: «جامع التحصيل» (ص ٢١٨) . فالحديث منقطع.
لكن يبدو أن في الإسناد سقطًا؛ فقد رواه البيهقي في «الكبرى» (٩/٧٦)؛ من طريق أحمد بن شيبان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: إن فرَّ رجلٌ من اثنين فقد فَرَّ، وإن فرَّ من ثلاثة لم يفر.
وأحمد بن شيبان هو الرَّملي، ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/٥٥)، وقال: «صدوق» .
وقال العقيلي: «لم يكن ممن يفهم الحديث، وحدَّث بمناكير» . وقال ابن حبَّان في «الثقات»: «يخطئ» . وقال صالح الطرابلسي: «ثقة مأمون، أخطأ في حديث واحد» . وقال الذهبي في «الميزان» (١/١٠٣) بعد ذكر كلام ابن أبي حاتم، وابن حبان، قال: «فالصدوق يخطئ» .
وقد خالف أحمدُ بن شيبان الشافعيَّ في روايته، حيث زاد (عطاءً) في الإسناد، وإن سلَّمنا بزيادته، فإن ابن أبي نجيح مدلس. وقد عنعن. وقد صحَّح شيخنا الألباني ﵀ في «الإرواء» (٥/٢٨-٢٩) هذا الأثر، وجزم أن السقط الواقع في سند الشافعي إنما هو خطأ مطبعيٌّ. ثم قال: وهو إن كان موقوفًا، فله حكم المرفوع، بدليل القرآن وسبب النزول، الذي حفظه لنا ابن عباس.
وحديث ابن عباس، رواه البخاري وغيره، وسيأتي تخريجه.
(١) أخرجه أبو جعفر النحاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص ١٨٤) بسنده إلى الربيع بن صبيح، عن الحسن. ونقله عنه مكي بن أبي طالب في «الإيضاح» (ص ٢٩٧) . وانظر: «الآيات المنسوخة في =
1 / 203
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.