Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
عن الحنابلة شدة التعصب، وغلظ المعاملة، والعنف.
ولقد كان كثيرون من علمائهم يأوون إلى دمشق، وغيرها من الأمصار الإسلامية، وأولئك هم الذين قاموا على ذلك المذهب وخدموه، ونقلوه، وفسروه وأكثروا من تخريج المسائل عليه.
٢٨٧ - وإذا كان ذلك المذهب الجليل قد فقد الاتباع في الماضي، فإن الله سبحانه وتعالى قد عوضه في الحاضر، ذلك بأن بلاد الحجاز تسير حكومتها في أقضيتها وعباداتها على مقتضى أحكامه، وكان ذلك تعويضاً كرماً وإخلافاً حسناً لأن بلاد الحجاز تطبق الشريعة الإسلامية في كل أقضيتها، ولا تقصرها على نظام البيت، بل إنها تطبق أحكام الحدود والقصاص تطبيقاً صحيحاً كاملاً، فالحدود فيها قائمة، ومعالم الشريعة فيها معلنة، وأحكام المعاملات المالية كلها مستمدة من ذلك المذهب الجليل، فالربا حرام في شتى ضروبه بالقليل وبالكثير، من غير محاولة لتحليله ومن غير تحايل على تسويغه، بل غلقت كل أبوابه ما ظهر منها وما بطن.
وأخذت الصدقات الإسلامية، وجمعت زكاة المال في السائمة، والزرع، والنقدين، وعروض التجارة، وبذلك قامت دولة الشريعة محكمة البنيان، ثابتة الأركان، تعلن الناس في كل البقاع والأصقاع أنها خير شريعة أخرجت للناس، ذلك بأن أعظم مدن العالم سلطاناً، واستبحاراً في العمران، يسير فيها السائر فلا يأمن على ماله ونفسه، وفي صحراء العرب، يضيع الشيء فيعود إلى صاحبه ولا يغيب عنه إلا يوماً أو بعض يوم، حتى إنه ليسوغ لنا أن نقول إن بلاد العرب الآن هي أقرب البلاد إلى المدينة الفاضلة؛ لأنها أقل البلاد رخاء وأقلها مساوى اجتماعية، وأقومها خلقاً، وأهداها سبيلاً، وأوفرها براً، وأبعدها عن التناحر المادي، والغلب الشهواني.
فإذا كان المذهب الحنبلي قد غمط في الماضي من حيث كثرة الاتباع، فهو ذو الحظوة في الحاضر؛ لأنه المطبق في كل الأحكام ولم يكن لمذهب من المذاهب الأربعة مثل حظوته.
٢٨٨ - ولقد حمل ذلك المذهب إلى الحرمين الشريفين وإلى سائر ربوع
400