339

المنهاج الواضح للبلاغة

المنهاج الواضح للبلاغة

ناشر

المكتبة الأزهرية للتراث

ایڈیشن

-

ففي تكرار قوله: "يا قبر معن" إظهار لكمية الحزن المندلعة ناره بين جوانحه على فقده.
"و" طول الفصل: كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، كررت "إنَّ واسمها" لطول الفصل خشية أن يكون الذهن قد ذهل عما ذكر أولا، ومثله قول الشاعر:
وإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على مثل هذا إنه لكريم
٧- يكون بالتكميل، ويسمى الاحتراس أيضًا، وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المراد بما يدفعه كقول المتنبي.
غير اختيار قبلت برك بي
والجوع يرضي الأسود بالجيف
فقوله: "غير اختيار" تكميل أتى به دفعًا لتوهم أن قبول البر عن رضا واشتهاء له، وكقول المعتز يصف فرسا:
صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
فقوله "ظالمين" تكميل واحتراس دفع به توهم أنها تستحق الضرب لبلادتها، أو لسوء سيرها، وكقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ تكميل واحتراس قصد به دفع إيهام أن وصفهم بالذلة لضعفهم وهوانهم: من حيث إن شأن المتذلل أن يكون ضعيفًا مهينًا دفع ذلك بأن تذللهم للمؤمنين ليس عن ضعف ومهانة، وإنما هو وليد التوضع منهم للمؤمنين، بدليل أنهم أعزة على الكافرين.
٨- يكون بالتتميم، وهو أن يؤتى في الكلام بفضله لنكتة سوى دفع توهم غير المراد كالمبالغة في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ فقوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ تتميم أريد به المبالغة في مدحهم بالسخاء والكرم، أي يطعمونه مع حبهم، واشتهائهم له، واحتياجهم إليه، ولا شك أن إطعام الطعام -مع اشتهائه والاحتياج إليه- أبلغ في المدح بالكرم من مجرد إطعام الطعام، ومثله قول زهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان:
من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والذي خلقا

2 / 142