ولم يبال بها فعلى خلاف ذلك، لأن كل ما يحاوله الإنسان إما أن يكون أمرا بينه وبين الله تعالى لا يتعلق بغيره، وإما أن يكون أمرا دائرا بينه وبين سائر الناس عامة، أو بينه وبين خاصته من أقاربه وأهل منزله، والقرآن وصلة بينه وبين ربه، فمن راعى أحكامه، واتبع ظواهره وبواطنه فقد أدى حقوق الربوبية، وأتى بما هو وظائف العبودية.
و" الأمانة": تعم الناس كلهم، فإن دماءهم وأعراضهم وأموالهم وسائر حقوقهم أمانات فيما بينهم، فمن قام بحقها فقد أقام العدل، وجانب المظالم رأسا، ومن وصل الرحم، وراقب الأقارب، ودفع عنهم المخاوف، وأحسن إليهم بما أنعم الله عليه، وأعانهم فيما يهم لهم من أمري الدين والدنيا ما أمكنه واستطاع = فقد أدى حقه وخرج عن عهدته، ولما كان القرآن منها أعظم قدرا وأرفع منارا، وكان العمل به والقيام بحقه والامتثال لحكمه يشتمل على القيام بالأمرين الآخرين، والمحافظة عليهما قدم ذكره، وأخبر عنه بأنه " يحاج العباد " أي: يخاصمهم فيما ضيعوه وأعرضوا عن حدوده وأحكامه، ولم يلتفتوا إلى مواعظه وأمثاله، سواء ما ظهر منها معناها واستغنى عن التأويل، أو خفي واحتاج إلى مزيد كلفة في إبراز ما هو المقصود منه، وأخر الرحم لأنه أخصها، وأفرد بالذكر – وإن اشتمل على محافظته