كانوا فريقين يصفون الزجاج على قعسي الكواهل في أكتافهم شمم وآخرين ترى الماذى عدتهم من نسح داود أو ما أورثت ارم. قوله: يصغون أي يميلون. والزجاج عني به الأسنة. وقعس جمع أقعس وهو الأحدب. والشمم: الارتفاع. والماذي: الدروع اللينة الصافية وارم: أمة قديمة.
التقدير كانوا فريقين فريقا أو ناسا يصغون الزجاج ثم قال: وآخرين ترى الماذي، فآخرين من جنس قولك: فريقا، ولم يعتبره. بوصفه وهو قوله: يصغون الزجاج، لأن الشاعر قسم من ذكر إلى قسمين متباينين بالوصف متحدين في الجنس وهذا الفرق قل من يفهمه فضلا عمن يعرفه. والظاهر أن أو للتخيير، وقال به ابن عباس. فمن جعل قوله: من غيركم أي من غير عشيرتكم كان مخيرا بين أيستشهد أقاربه أو الأجانب من المسلمين. ومن زعم أن قوله: من غيركم، أي من الكفار. فاختلفوا فقيل: غيركم يعني به أهل الكتاب، وروي ذلك عن ابن عباس وقيل: أهل الكتاب والمشركون وهو ظاهر قوله: من غيركم. وقيل: أو للترتيب إذا كان قوله: من غيركم، يعني به من غير أهل ملتكم فالتقدير إن لم يوجد من ملتكم.
{ إن أنتم ضربتم في الأرض } الآية هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب ولو جرى على لفظ إذا حضر أحدكم الموت لكان التركيب إن هو ضرب في الأرض فأصابته مصيبة الموت. وإنما جاء الالتفات جمعا لأن قوله: أحدكم معناه إذا حضر كل واحد منكم الموت، والمعنى إذا سافرتم في الأرض لمصالحكم ومعاشكم، وظاهر الآية يقتضي أن استشهاد آخرين من غير المسلمين مشروط بالسفر في الأرض وحضور علامات الموت.
{ تحبسونهما } قال الفارسي والحوقي وأبو البقاء: صنفه لآخران. واعترض بين الموصوف والصفة بالشرط وما عطف عليه وأفاد الاعتراض أن العدول إلى آخرين من غير الملة أو القرابة حسب اختلاف العلماء في ذلك إنما يكون مع ضرورة السفر وحلول الموت فيه واستغنى عن جواب إن لما تقدم من قوله: أو آخران من غيركم. " انتهى ". وقال الزمخشري: فإن قلت ما موضع تحسبونهما؟ قلت: هو استئناف كلام كأنه قيل: بعد اشتراط العدالة فيهما فكيف إن ارتبنا فيهما. فقيل: تحسبونهما " انتهى ". وما قاله الزمخشري من الاستئناف أظهر من الوصف لطول الفصل بالشرط والمعطوف عليه بين الموصوف وصفته وإنما غيركم معناه أو عدلان آخران من غير القرابة والخطاب في ذلك لمن يلي ذلك من ولاة المسلمين وضمير المفعول عائد في قوله على آخرين من غير المؤمنين، والظاهر عوده على اثنين منا أو من غيرنا سواء أكانا وصيين أم شاهدين. وظاهر قوله: من الصلاة أن الألف واللام ليسا للجنس أي من بعد صلاة. وقد قيل بهذا الظاهر وقيل: هي صلاة العصر، ورجح بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استحلف تميما وعديا بعدها عند المنبر.
{ فيقسمان بالله إن ارتبتم } الآية الظاهر تقييد حلفهما بوجود الارتياب فمتى لم توجد الريبة فلا تحليف. { لا نشتري } جواب القسم والضمير في به عائد على القسم بالله. و { ثمنا } على حذف مضاف تقديره مالا ذا ثمن وفي كان ضمير يعود على من يقسم لأجله قريبا منا من حيث المعنى. { ولا نكتم شهادة الله } معطوف على قوله: { لا نشتري به ثمنا } فيكون من جملة المقسم عليه، وأضاف الشهادة إلى الله لأنه تعالى هو الآمر بإقامتها الناهي عن كتمانها. وقرأ الأعمش وابن محيصن لملائمين بإدغام نون من في لام الآثمين بعد حذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام وإذا هاهنا تؤدي معنى الشرط والمعنى وإنا إن اشترينا أو كتمنا لمن الآثمين.
[5.107-110]
{ فإن عثر } أي فإن اطلع بعد حلفهما. { على أنهما استحقآ إثما } أي ذنبا بحنثهما في اليمين بأنها ليست مطابقة للواقع. { فآخران } أي رجلان آخران. { يقومان مقامهما } أي مقام ذينك الرجلين اللذين استحقا إثما بما ظهر عليهما من خيانتهما في الجام يقومان مقامهما في الإيمان أنهما يستحقان ذلك الجام ويكونان من الورثة لمال الميت الذي كان مسافرا. وقرىء استحق عليهم مبني للمفعول أي استحق عليهم أي أخذ الجام الذي كان الأولان خانا فيه وكتماه عن الورثة. وقرىء استحق مبنيا للفاعل أي استحق الأولان أخذه بخيانتها. وقرىء الأولين صفة للذين ويريد به الوارث لأنهم أولون باعتبار استحقاق المال والآخران المعثور على خيانتهما آخران. وقرىء الأوليان على إضمار مبتدأ محذوف أي الآخران القائمان مقام الأولين اللذين كتما الجام تقديره هما الأوليان. { فيقسمان بالله لشهادتنا } أي لإيماننا أن الجام مما نستحقه أحق من شهادة ذينك الأولين ويريد بالشهادة الإيمان لأن الإيمان تثبت بها الحقوق كما تثبت بالشهادة لشهادتنا جواب القسم.
{ وما اعتدينآ } معطوف عليه كما جاء قسم الآخرين له جوابان لا نشتري ولا نكتم كذلك جاء هاهنا جوابان لشهادتنا وما اعتدينا. { إنا إذا } أي إن زللنا في الشهادة واعتدينا. { لمن الظالمين } وهذه الآية نزلت في قضية معينة على ما دل عليه سبب النزول في صحيح البخاري ولم تقيد شهادة العدلين بالسفر وقيدت به شهادة آخرين من غير المسلمين بقوله تعالى:
إن أنتم ضربتم في الأرض
[المائدة: 106]. وثم محذوف تقديره ووضعتما أيديكما على جميع ما خلفه الميت ثم أديا ذلك للورثة فإن ارتيب فيهما حلفا اليمين المذكور بعد الصلاة فإن اطلع على خيانة منهما في شيء معين حلف الآخران على استحقاق ذلك وأخذاه وذكر في البحر تقادير من الإعراب تطالع فيه. { ذلك } الإشارة إلى الحكم السابق. ولما كان الشاهدان لهما حالتان حالة يرتاب فيها إذا شهدا فإذ ذاك يحبسان بعد الصلاة ويحلفان اليمين المشروعة في الآية وحالة يطلع فيها إذا شهدا على إثمهما بالشهادة وكذبهما في الحلف فإذ ذاك لا يلتفت إلى إيمانكم وترد على شهود آخرين فيعمل بإيمانهم، فقوبلت كل حالة بما يناسبها وكان العطف بأولانها لأخذ الشيئين والإشارة بالفاسقين إلى من حرف الشهادة.
Bilinmeyen sayfa