" فحلفهما بعد العصر النبي صلى الله عليه وسلم ما كتمتما ولا اطلعتما ثم وجد الجام بمكة فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم فجاء الرجلان من ورثة السهمي فحلفا أن هذا الجام للسهمي ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا قال: فأخذوا الجام "
وفيهم نزلت هذه الآية، ومناسبتها لما قبلها هو أنه لما ذكر: يا أيها الذين آمنوا، كان في ذلك تنفير عن الضلال واستبعاد عن أن ينتفع بهم في شيء من أمور المؤمنين من شهادة أو غيرها، فأخبر تعالى بمشروعية شهادتهم أو الإيصاء إليهم في السفر على ما سيأتي بيانه. وقرأ الجمهور شهادة بالرفع بينكم بالجر، وشهادة مبتدأ، واثنان خبره على أحد تقديرين، أحدهما: أن يكون التقدير ذو شهادة بينكم اثنان. والتقدير الثاني: أن لا يحذف من الأول ويحذف من الثاني فتقدر الشهادة اثنين فيطابق المبتدأ الخبر في التقديرين إذ لو حمل على غير حذف لم يصح لأن الشهادة ليست تفسير الاثنين. وقرأ السلمي شهادة بالنصب والتنوين وقدره الزمخشري ليقم شهادة اثنان فجعل شهادة مفعولا بإضمار هذا الأمر، واثنان مرتفع بليقم على الفاعلية وهذا الذي قدره الزمخشري هو تقدير ابن جني بعينه، قال ابن جني: التقدير ليقم شهادة بينكم اثنان. " انتهى ". وهذا الذي ذكره ابن جني مخالف لما قاله أصحابنا قالوا: لا يجوز حذف الفعل وإبقاء فاعله إلا أن أشعر بالفعل ما قبله كقوله تعالى:
يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال
[النور: 36-37]، على قراءة من فتح الباء فقرأه مبنيا للمفعول وذكروا في اقتياس هذه خلافا أي يسبحه رجال فدل يسبح على يسبحه أو أجيب به نفي كان يقال لك ما قام أحد عندك، فتقول: بلى زيد أي قام زيد، أو أجيب به استفهام كقول الشاعر:
ألا هل أتى أم الحويرث مرسل
بلى خالد إن لم تعقه العوائق
التقدير أتى خالد أو يأتيها خالد، وليس حذف الفعل الذي قدره ابن جني وتبعه الزمخشري واحدا من هذه الأقسام الثلاثة، والذي عندي أن هذه القراءة الشاذة تتخرج على وجهين، أحدهما: أن يكون شهادة منصوبا على المصدر الذي ناب مناب الفعل بمعنى الأمر، واثنان مرتفع به، والتقدير ليشهد بينكم اثنان. والوجه الثاني: أن يكون أيضا مصدرا ليس بمعنى الأمر بل يكون خبر أناب مناب الفعل في الخبر وإن كان ذلك قليلا كقولهم: افعل وكرامة ومسرة، أي أكرمك وأسرك، أي يشهد اثنان.
{ ذوا عدل } صفة لقوله: اثنان، ومنكم صفة أخرى، ومن غيركم صفة لآخران. قال ابن عباس وغيره: أمر تعالى بإشهاد عدلين من القرابة إذ هم أحق بحال الوصية وأدرى بصورة العدل فيها فإن كان الأمر في سفر ولم تنحصر قرابة أسندها إلى غيرهما من المسلمين الأجانب. وهذا القول مخالف لما ذكره الزمخشري وغيره من المفسرين حتى أن ابن عطية قال: لا نعلم خلافا أن سبب هذه الآية أن غيما الداري وعديا بن زياد كانا نصرانيين، وساق الحديث المذكور أولا. وقال أبو جعفر النحاس: ناصر القول ابن عباس أن هذا القول ينبني على معنى غامض في العربية وذلك أن معنى آخر في العربية من جنس الأول تقول: مررت بكريم وكريم آخر، فقولك: آخر، يدل على أنه من جنس الأول. ولا يجوز عند أهل العربية مررت بكريم وخسيس آخر، ولا مررت برجل وحمار آخر، فوجب من هذا أن يكون معنى قوله: أو آخران من غيركم، أي عدلان والكفار لا يكونون عدولا. " انتهى ". وما ذكره في المثل صحيح إلا أن الذي في الآية مخالف للمثل التي ذكرها النحاس في التركيب لأنه مثل بتأخير آخر وجعله صفة لغير الجنس وأما الآية فمن قبيل ما تقدم فيه آخر على الوصف والأربع واندرج آخر في الجنس الذي قبله ولا يعتبر جنس الأول تقول: جاءني رجل مسلم وآخر كافر، ومررت برجل قائم وآخر قاعد، واشتريت فرسا سابقا وآخر مبطئا. فلو أخرت آخر في هذه المثل لم تجز المسألة. لو قلت: جاءني رجل مسلم وكافر آخر، ومررت برجل قائم وقاعد آخر، واشتريت فرسا سابقا ومبطئا آخر، لم يجز. وليست الآية من هذا القبيل لأن التركيب فيها جاء اثنان ذوا عدل منكم وآخران من غيركم فآخران من جنس قوله: اثنان ولا سيما إذا قدرته رجلان اثنان فآخران هما من جنس قولك: رجلان اثنان، ولا يعتبر وصف قوله: ذوا عدل منكم، وإن كان مغايرا لقوله: من غيركم، كما لا يعتبر وصف الجنس في قولك: عندي رجلان اثنان مسلمان وآخران كافران، إذ ليس من شرط آخر إذا تقدم أن يكون من جنس الأول بقيد وصفة وعلى ما ذكرته هو لسان العرب. قال تعالى:
قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة
[آل عمران: 13]. وأخرى تأنيث آخر. وقال زهير بن أبي سلمى:
Bilinmeyen sayfa