أشدآء على الكفار رحمآء بينهم
[الفتح: 29]، وجاءت هذه الصفة بالاسم الذي فيه مبالغة لأن أذلة جمع ذليل، وأعزة جمع عزيز، وهما صفتا مبالغة وجاءت الصفة قبل هذا بالفعل في قوله: يحبهم ويحبونه، لأن الاسم يدل على الثبوت فلما كانت صفة مبالغة وكانت لا تتجدد بل هي كالغريزة جاء الوصيف بالاسم ولما كانت الصفة تتجدد لأنها عبارة عن أفعال الطاعات والثواب المترتب عليها جاء الوصف بالفعل الذي يقتضي التجدد ولما كان الوصف الذي يتعلق بالمؤمن آكد ولموصوفه ألزم قدم على الوصف المتعلق بالكافر ولشرف المؤمن أيضا ولما كان الوصف الذي بين المؤمن وربه أشرف من الوصف الذي بين المؤمن والمؤمن قدم قوله: يحبهم ويحبونه، على قوله: أذلة على المؤمنين، وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من ذهب إلى أن الوصف إذا كان بالاسم وبالفعل لا يتقدم الوصف بالفعل على الوصف بالاسم إلا في ضرورة الشعر نحو قوله: وفرع يغش المتن أسود فاحم. إذ جاء ما ادعى أنه يكون في الضرورة في هذه الآية فقدم يحبهم ويحبونه وهو فعل على قوله: أذلة، وهو اسم. وكذلك قوله تعالى:
وهذا كتب أنزلنه مبارك
[الأنعام: 92، 155]. وقرىء شاذا أذلة بالنصب وكذا أعزة نصبا على الحال من النكرة إذ قربت من المعرفة بوصفها.
{ يجاهدون في سبيل الله } أي في نصرة دينه. وظاهر هذه الجملة أنها صفة ويجوز أن تكون استئناف أخبار. { ولا يخافون لومة لائم } أي هم صلاب في دينه لا يبالون بمن لام فيه فمتى شرعوا في أمر معروف أو نهي عن منكر أمضوه لا يمنعهم اعتراض معترض ولا قول قائل، وهذان الوصفان أعنى الجهاد والصلابة في الدين هما نتيجة الأوصاف السابقة لأن من أحب الله لا يخش إلا إياه ومن كان عزيزا على الكافر جاهد في إخماده واستئصاله وناسب تقديم الجهاد على انتفاء الخوف من اللائمين لمجاورته أعزة على الكافرين ولأن الخوف أعظم من الجهاد فكان ذلك ترقيا من الأدنى إلى الأعلى ويحتمل أن تكون الواو في ولا يخافون واو الحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة غير حال المنافقين فإنهم كانوا موالين لليهود فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود وتخاذلوا وخذلوا حتى لا يلحقهم لوم من جهتهم وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله تعالى لا يخافون لومة لائم. ولومة للمرة الواحدة، وهي نكرة في سياق النفي فتعم أي لا يخافون شيئا قط من اللوم.
{ ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء } الظاهر أن ذلك إشارة إلى ما تقدم من الأوصاف التي تحلى بها المؤمن ذكر أن ذلك هو فضل الله يؤتيه من أراده ليس ذلك بسابقة ممن أعطاه إياه بل هو على سبيل الاحسان منه تعالى لمن أراد الإحسان إليه.
وقيل: ذلك إشارة إلى حب الله لهم وحبهم له.
{ والله واسع عليم } أي واسع الإحسان والافضال عليم بمن يصنع ذلك فيه. { إنما وليكم الله ورسوله } لما نهاهم عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء بين هنا من هو وليهم وهو الله ورسوله. والولي هنا الناصر والمعنى لأولى لكم إلا الله وقال: وليكم بالافراد ولم يقل أولياؤكم وإن كان المخبر به متعددا، لأن وليا اسم جنس أو لأن الولاية حقيقة هي لله تعالى على سبيل التأصل ثم فطم في سلكه من ذكر على سبيل التبع ولو جاء جمعا لم يتبين هذا المعنى من الأصالة والتبعية.
{ الذين يقيمون الصلاة } الآية هذه أوصاف ميز بها المؤمن الخالص الإيمان من المنافق، لأن المنافق لا يدوم على الصلاة ولا على الزكاة. قال تعالى:
وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى
Bilinmeyen sayfa