584

تفسير القرآن الكريم

تفسير القرآن الكريم

Bölgeler
Mısır
الأحاديث المحذرة من قتل النفس
وعن جندب بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: (كان ممن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع فأخذ سكينًا فحز بها يده -أي: قطع الشرايين حتى سال الدم بسرعة- فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة)، والعياذ بالله، وهذا الحديث متفق عليه.
قوله: (بادرني عبدي بنفسه) يعني: هو الذي تعجل الموت قبل أن أقبض أنا روحه، وقوله: (حرمت عليه الجنة)، فعقوبة المنتحر -والعياذ بالله- هي أن يحرم الله ﷿ عليه الجنة.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جنهم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا)، وهذا متفق عليه.
إذًا: هذا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية، أي قاعدة: الجزاء من جنس العمل.
وفي الصحيح حديث ذلك الرجل الذي أثقلته الجراح، فاستعجل الموت، فقتل نفسه بذبابة سيفه، فقال النبي ﷺ: (هو من أهل النار)، وهذا متفق عليه.
وعن النبي ﷺ أنه قال: (لعن المؤمن كقتله، ومن قذف مؤمنًا بكفر فهو كقتله، ومن قتل نفسه بشيء عذبه الله به يوم القيامة).
وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: (أتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه)، والمشاقص هي: سهام عريضة، وواحدها: مشقص فلما أتي به النبي ﷺ على حاله تلك امتنع من الصلاة عليه ﷺ.
إذًا: في هذه الأحاديث أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الاسم، يعني: لا بد أن نعرف هذه النعمة التي نحن نتمتع بها، هذا البدن، وهذه الحواس التي أعطانا الله ﷿ وهذه الروح، ليست ملكًا لنا، يعني: أنت لا تملك نفسك، وليس من حقك أن تقتل نفسك في أي وقت وتعطل هذه الحياة أو تكفر بنعمة الحياة، الله ﷾ هو الذي خلق ابن آدم: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨]، فتعجل إنهاء الأجل بالانتحار هذا من العدوان على حرمات الله ﵎.
عندما كنا نتكلم على موضوع التبرع بالأعضاء، وذكرنا كلام العلماء الذين منعوا ذلك وقلنا: إنهم بنو المنع على أنك لا تملك هذه الأعضاء، بل هي وديعة الله ﷾ عندك، فأنت لا تملكها كقطع غيار السيارات والآلات وغير ذلك.
فيؤخذ من هذه الأحاديث أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره، فهل بعد ذلك لا نستطيع أن نفهم قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا»؟

32 / 30