تزويجهن ليس بمغن عنهن من الله شيئا، بل هو سبب في زيادة الحد، فكان ذلك داعيا إلى تشديد الأمر عليهن غير صارف عنه. والقنوت: الطاعة، وإنما ضعّف أجرهن لطلبهن رضا رسول الله ﷺ بحسن الخلق وطيب المعاشرة والقناعة وبوقرهن على عبادة الله ﷿.
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾
﴿كَأَحَدٍ﴾ أصله: وحد، وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه. ومعنى قوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أي: ليست واحدة منكن كواحدة من النساء، أي: لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء، أي: إذا تقصيت أمة النساء جماعة لم توجد منهن جماعة واحدة تعادلكن في الفضل والسابقة، ومثله قوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ (^١) يريد: بين جماعة واحدة منهم تسوية منهم بينهم في أنهم على الحق المبين.
﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ إن أردتن التقوى، وإن كنتن متقيات. ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ فلا تجئن
= وظاهر قوله تعالى: الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ يوجب الحد على الذميين، ويدل عليه حديث زيد بن خالد وأبي هريرة عن النبي ﷺ:" إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها "وقوله ﷺ:" أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم "ولم يفرق بين الذمي والمسلم، وأيضا فإن النبي ﷺ رجم اليهوديين. فلا يخلو ذلك من أن يكون بحكم التوراة أو حكما مبتدأ من النبي ﷺ، فإن كان رجمهما بحكم التوراة؛ فقد صار شريعة للنبي ﷺ لأن ما كان من شرائع الأنبياء المتقدمين مبقى إلى وقت النبي ﷺ فهو شريعة لنبينا ﷺ ما لم ينسخ، وإن كان رجمهما على أنه حكم مبتدأ من النبي ﷺ؛ فهو ثابت إذ لم يرد ما يوجب نسخه. والصحيح عندنا أنه رجمهما على أنه شريعة مبتدأة من النبي ﷺ لا على تبقية حكم التوراة، والدليل عليه أن حد الزانيين في أول الإسلام كان الحبس والأذى، المحصن وغير المحصن فيه سواء، فدل ذلك على أن الرجم الذي أوجبه الله في التوراة قد كان منسوخا فإن قيل: فإن النبي ﷺ رجم اليهوديين، وأنت لا ترجمهما فقد خالفت الخبر الذي احتججت له في إثبات حد الزنا على الذميين. قيل له: استدلالنا من خبر رجم اليهوديين على ما ذكرنا صحيح؛ وذلك لأنه لما ثبت أنه رجمهما صح أنهما في حكم المسلمين في إيجاب الحدود عليهما، وإنما رجمهما النبي ﷺ لأنه لم يكن من شرط الرجم الإحصان، فلما شرط الإحصان فيه وقال النبي ﷺ:" من أشرك بالله فليس بمحصن " صار حدهما الجلد". انتهى من أحكام القرآن.
(^١) سورة النساء، الآية (١٥٢).
2 / 112