والفريّ مأخوذ من الفري وهو القطع، وكأنهم قالوا: جئت بشيء اقتطع عما يعهده الناس. وفي هارون الذي جعلت مريم أخته قولان: أحدهما: أنه ممدوح، والمراد أخت هارون أخي موسى، وكانت تشبه به في عبادتها. أو رجلا صالحا مشى في جنازته أربعون ألفا تسمّوا باسمه تبرّكا به. والقول الثاني: أنه مذموم، وهو فاجر كان في بني إسرائيل، يعني: قد أشبهته في الفجور وقولهم لها في تبرئة أبيها وأمها تعريض بما أتت به من الأمر العظيم.
﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ﴾ أنه الذي يجيبكم، فقالوا: والله (١١٣ /ب) لسخريتها بنا أشد علينا مما فعلت. ﴿كانَ﴾ زائدة، أي: من في المهد؛ لأن أكثر الناس يربّى في المهد، وقول عيسى ﵇ بأنه عبد الله ردّا على قول من ادعى فيه الشركة.
وحكي أنه كان يرضع، فلما أشارت إليه مريم أقبل عليهم واعتمد على يده اليسرى، وخاطبهم مجيبا بسبّابة اليمنى (^١). قوله: ﴿الْكِتابَ﴾ قيل: آتاه الله النبوة وهو يرضع. وقيل:
عند بلوغ سنّ النبوة.
وتعريف السلام في قوله: ﴿وَالسَّلامُ﴾ لسبقه نكرة في قصة يحيى، وأنكر بعض العلماء ذلك وقال: كيف يشار في كلام أحدهما إلى كلام الآخر؟ وكيف يقول عيسى: وذلك السلام الذي سلمه الله على يحيى حاصل على ذلك المحدّث عنه بهذه القصة؟ (^٢).
(^١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٩٨) ونسبه لعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.
(^٢) قال الزمخشري في الكشاف (٣/ ١٦): "قيل: أدخل لام التعريف؛ لتعرفه بالذكر قبله؛ كقولك: جاءنا رجل، فكان من فعل الرجل كذا، والمعنى: ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إليّ. والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا باللعنة على متهمي مريم ﵍ وأعدائها من اليهود. وتحقيقه: أن اللام للجنس، فإذا قال: وجنس السلام عليّ خاصة، فقد عرّض بأن ضده عليكم، ونظيره قوله تعالى: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني: أن العذاب على من كذب وتولى، وكان المقام مقام مناكرة وعناد فهو مئنة لنحو هذا من التعريض".