506

واعلموا أن الذين يتخلفون عن الجهاد من غير عذر شرعي عن الإيمان خارجون، وفي سبيل الغي سالكون، وأن الله تعالى قد ذم المتخلفين في كتابه المبين كما هو معلوم، وكان أكثر من يتخلف عنه من المنافقين: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم}.

وهم: كعب بن مالك، وابن الربيع، وهلال بن أمية، كلهم من الأنصار، وكان جملة المتخلفين عنه صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الغزوة بضعا وثمانين فأما هؤلاء الثلاثة فكان من خبرهم ما هو ظاهر لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الغزوة، وهي عزوة تبوك جاء المعذرون وهم يعتذرون بأعذار باطلة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبلها منهم، ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، فلما أتاه كعب سأله عن سبب تخلفه فصدقه، وأعلمه أنه وقف لغير عذر وكذلك صاحباه، فأمر المسلمين بترك الكلام مع الثلاثة فما بقي أحد يكلمهم، فلما مضى أربعون ليلة أمر كعبا باعتزال زوجته فقال: أطلقها؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا بل اعتزلها، فجاءت امرأة هلال فقالت: يا رسول الله صلى الله عليك، إن هلالا شيخ ضعيف فهل تأذن لي أن أخدمه؟ قال: نعم، ولكن لا يقربنك قالت: يا رسول الله فإنه ما به حركة لشيء ما زال مكبا الليل يبكي مذ كان من أمره ما كان، قال كعب: فلما طال علي البلاء اقتحمت على ابن عمي أبي قتادة حائطه فسلمت عليه فلم يرد علي سلاما فقلت: أنشدك الله أتعلم أني أحب الله ورسوله فسكت حتى قلت ثلاثا فقال أبو قتاده: الله ورسوله أعلم، فلم أملك نفسي أن بكيت، ثم اقتحمت من الحايط خارجا، وربطوا أنفسهم في سواري المسجد حتى نزلت الآية، وهي قوله تعالى: {وعلىالثلاثة الذين خلفوا...} إلىقوله تعالى: {إن الله هو التواب الرحيم}.

Sayfa 550