445

ولما علم القوم بنهوضه عليه السلام إلى شوابة نهضوا في ذلك اليوم الذي نهض فيه قاصدين لحربه ومناصبته، وقد انضاف إلى المبتدعة من طغام الجهال من الشيعة طائفة يحرضون الأمراء الحمزيين على القتال ويتكلمون ......... فاستقرت محطة القوم في موضع يسمى السرعة وأغارت خيلهم ورجلهم فانتهبوا شيئا من زرايع الرعية في غيل شوابة وروعوا الناس والضعوف، فلما كان يوم الثلاثاء ثاني وصول أمير المؤمنين إلى شوابة أمر عليه السلام بالأهبة ولباس العدة؛ لأنه لم يأمن مكر القوم، وركب في أكثر عسكر حتى أشرف على أقطار الوادي ورأى محطة القوم، ثم إن القوم ركبوا خيلهم وصمدوا إليه قاصدين لقتاله، ولم يكن عليه السلام يريد أن يبدأهم بحرب، فلما تراءت الفئتان استدعى حسن بن وهاس وأصحابه برجل من أهل صعدة وأمروه إلى الإمام بكلام المعجبين بنفوسهم المتطاولين على غيرهم يسومونه بالخسف، ويريدون له النقص، ويضمرون بذلك قتاله، ويرجفون عليه أن الذين معه قد صارت قلوبهم معهم وصغوهم إليهم، ويطلبون أن يلقاهم في عدة معلومة ويناظرونه على ظهور الخيل، فأجابهم عليه السلام بأحسن جواب وألطف خطاب، وأنهم إن أحبوا حكم الكتاب الكريم والسنة الشريفة فحبا لهم وكرامة، وكان يفعل لهم ما يطلبونه من الوثيقة فيمن يصل منهم، ولم يكن قصد القوم إلا التحكم عليه وتضعيف أمره، فلما لم ينزل لهم على حكم ولا وجدوا فيه مغمزا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وانصرف أمير المؤمنين عليه السلام إلى محطته، ثم أمر بإقبال الناس إليه مجتمعين، فتكلم عليه السلام مع الناس ووعظهم وذكرهم بالله تعالى، وندبهم إلى شكر نعمه، والاستمساك بحبله، والاعتصام بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، والالتزام بما أمرهم الله تعالى به من مبايعة إمامهم الذي قام لله غاضبا، وبذل نفسه في سبيله جاهدا، وقام في إجابته مجاهدا ، ولم يأل جهدا في ذلك غير ناكل عن قدم، ولا واهن في عزم، وذكرخروج هؤلاء المبتدعة وما هم عليه، وكشف للحاضرين لبسهم وأنهم يريدون فتكة يفتكونها، ومكيدة يفعلونها، وبدعة يحدثونها، وأن غير الحق يريدون، وعلى عوام المسلمين يلبسون، وأنه قد دعاهم إلى حكم الله وما يقضي به كتابه الكريم وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم وسيرة الأئمة السابقين الذين هم صفوة، وقدوة القدوة من زيد بن علي عليه السلام ومن قبله ومن بعده إلى القاسم والهادي وأولادهما إلى إمام الإئمة الذي هو سابق حلبة العلماء، وفخر السادة الفضلاء، العالم الأعلم أبي محمد المنصور بالله أمير المؤمنين عبدالله بن حمزة بن سليمان بن رسول الله، وذكر جملة للحاضرين من الكلام وغيره، وعين من قد أرسله من السادات وأهل العلم وكبار الناس كل ذلك رغبة في صلاحهم، وأن لا يشق[155-أ-أ] عصا المسلمين بسببهم، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم ازدادوا كبرا وفي أنفسهم عجبا، وظنوا أنهم قد أدركوا غرضا، وهيجوا في قلوب الجهال مرضا، ثم عرف الناس قصدهم وأنه لا يبدأهم بحرب إلا أن يقصدونه، وأن الذي حداه لما هو فيه إنما هو للمدافعة عن أموال المسلمين، والحماية للمستضعفين ممن لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، هذا معنى ما تكلم به مع ما أظهر من الشدة والرفق بالناس من المعرة.

قال الراوي: فلما تكلم أمير المؤمنين بالكلام عرف المحققون أن القوم على غير حق، وأن دعواهم عليه في جميع ما يدعون بجانب من الصدق، وأقام العسكر في محطتهم يوم الثلاثاء وليلة الأربعاء، فلما كان يوم الأربعاء أمر أمير المؤمنين بالنهوض إلى هضب مشرف على غيل شوابة مطل على عين الكابة ليقرب الناس من الماء والكلأ ليكون بمعزل عن المحطة من الغيل خوفا من المعرة، ويدفعون القوم إن قصدوا أخذ أموال المسلمين.

Sayfa 480