435

القصة في ذلك أن هؤلاء أهل الإقلاع على الجملة جماعة قليلة، وهم قوم يقال لهم: الحنابر، وآخرون يقال: الزريعات، ولما عمر أمير المؤمنين حصن ذروة وهم في أسفل الحصن كان محلهم محطا لمن يأتي إلى ذروة، فاستنفعوا في خلال ذلك بأنواع المنافع، وكان بعضهم من نقبا حصن ذروة، والذي إليه الحل والعقد، والباقون في خفض عيش وحياطة ورعاية وحسن جوار من أمير المؤمنين ومن يقول بقوله لا يروعون ولا تمد إليهم يد بتعسف، وعندهم مقر الخيل التي يحتاج إليها، وظهرت عليهم أثر النعمة، فلما نجمت هذه الفرقة الناكثة المتبدعة، وهجموا على حصن أمير المؤمنين كشفوا بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وانتهبوا حريم المسلمين، وضربوا وجوههن بالسيوف، والذين كانوا معه منهم في الحصن أهل العمولة والغدر، بل دخول الذين طلعوا القصر بعنايتهم، وبذلوا لهم مالا، وخالفهم موسى بن علي بن ستر الصايدي وأصحابه على ذلك، والذين كانوا منهم في محل الإقلاع منهم من كان مكنا للمكر مع القوم ومنهم من لم يكن كذلك، فلما استولى القوم على ذروة طلعوا متجمعين، فأعطوا حسن بن وهاس صفقة أيمانهم، وانتهبوا ما أمكنهم من الأثواب والأثاث من ذروة، وكذلك ما كان في محلهم لأهل ذروة، ولم يراعوا حق الجار، ولا ذمام أهل المروة دع عنك الدين، وكان كبارهم الذين يتولون الحرب ويصلون حيث لا يصل غيرهم في الحرب على عقيل، وشهروا نفوسهم بذلك، فلما أقبل عسكر أمير المؤمنين وهرب أهل القصر بذروة بحيث لم يشعر بعضهم، وظنوا أن الأمر دون ما وقع، وأن أمير المؤمنين لا يبلغ إلى حيث بلغ، فدخلوا دربا حصينا في محلهم، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، وأنهم يدفع عنهم، فأغار الناس من حقيل ليتلقوا [152أ-أ]أول العسكر إلى قريب من الإقلاع، فدنى منهم من حضر من الشرفاء والأمراء آل يحيى بن حمزة، وطلبوا منهم الخروج والذمة لهم على أرواحهم قبل أن يصل إليهم عسكر الإمام فكرهوا ذلك، وحاربوا ذلك الدرب فبيناهم كذلك إذ وردت مقدمة العسكر هم في خلال ما هم فيه من الحرب، فتسور الناس عليهم فقتل منهم أربعة نفر ممن ظاهره مع البغي الفسق الصريح من قطع الصلاة، وقطع الزكاة، والسرق، بل بعضهم معروف بالتهتك والتمرد، فلما وصل أمير المؤمنين عليه السلام أمر بالكف عنهم، وأطلق بعضا ممن أسر كل ذلك تفضلا وتكرما، وعفوا وصفحا؛ لأنهم ما ناصبوا ولا حاربوا ولا كانوا من أعظم من يطلع عورات المسلمين، بل كانو من أعظم الناس مضرة على أهل ذروة لمعرفتهم بالأمور، بل كان أخذ ذروة وما جرى بسبب شيوخهم الذين كانوا ولاة القصر والحفظ فيه ليلا ونهارا، عجل الله نقمتهم.

فهذه قصتهم قد أتينا بجملة منها وأمرهم واضح، وبغيهم على أمير المؤمنين ظاهر، ومن شك في ذلك فقد خرج عن العقلاء فضلا عن العلماء، وعلى الجملة فإن بغي القوم على أمير المؤمنين وانتهاب حريمه وحريم أهله وبيوت خدمه، ومناصبته إلى أن وقع فيهم العسكر وهم محاربون ظاهرا عند الناس، وأهل البغي والتمرد إلا دون ما فعلوه فالله تعالى المستعان، ولم نشرح الحال هكذا إلا ليعلم من لم يدر بالقصة أنها هكذا، وقد تعلل قوم ممن كان يتسرحوا في ارتعاء ممن باطنه مع القوم الذين أظهرو البدعة، وشبوا نار الفتنة، وقاموا وقعدوا في أسباب الفرقة والخروج عن إمامة الإمام المهدي عليه السلام بقتل هؤلاء النفر في الإقلاع اللذين حكينا قصتهم فقد قالوا: إنا كنا باقين على الإمامة حتى قتل أهل الإقلاع، وظاهر قتلهم أنه ظلم، قالوا : وهذا كاف في الخروج عن الإمامة، وسلكوا على تفرق الجهال والعوام الذين لا يميزون بين الصحيح والسقيم من الأحكام.

والجواب عن ذلك بوجهين:

Sayfa 469