Nehcü'l-Belağa Şerhi
شرح نهج البلاغة
Soruşturmacı
محمد عبد الكريم النمري
Yayıncı
دار الكتب العلمية
Baskı
الأولى
Yayın Yılı
1418 AH
Yayın Yeri
بيروت
قال : وقد تحقق ما اخترعناه وقدرناه من هذه الآية ، لأنه يجوز حملها على جانب الحقيقة ، كما يجوز حملها على جانب المجاز . قال : وقد أخطأ الفراء حيث زعم أن قوله سبحانه وتعالى : ' وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ' كناية عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه كنى عنه بالجبال . قال : ووجه الخطأ أنه لا يجوز أن يتجاذب اللفظ ههنا جانبا الحقيقة والمجاز ، لأن مكرهم لم يكن لتزول منه الجبال الحقيقية ، فالآية إذا من باب المجاز لا من باب الكناية . قال : ومن الكنايات المستحسنة قوله صلى الله عليه وسلم للحادي بالنساء : ' يا أنجشة رفقا بالقوارير ' . وقول امرأة لرجل قعد منها مقعد القابلة : لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه . وقول بديل بن ورقاء الخزاعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن قريشا قد نزلت على ماء الحديبية معها العوذ المطافيل ، وإنهم صادوك عن البيت ' . قال : فهذه كناية عن النساء والصبيان ، لأن العوذ المطافيل : الإبل الحديثات النتاج ومعها أولادها .
ومن الكناية ما ورد لا شهادة الزنا ، أن يشهد عليه برؤية الميل في المكحلة .
ومنها قول عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هلكت يا رسول الله ، قال : ' وما أهلكك ' ، قال : حولت رحلي البارحة .
قال : أشار بذلك إلى الإتيان في غير المأتى .
ومنها قول ابن سلام لمن رأى عليه ثوبا معصفرا : لو أن ثوبك في تنور أهلك لكان خيرا لك .
قال : ومن الكنايات المستقبحة قول الرضي يرثي امرأة :
إن لم تكن نصلا . . . فغمد نصول
لأن الوهم يسبق في هذا الموضع إلى ما يقبح ، وإنما سرقه من قول الفرزدق في امرأته وقد ماتت بجمع :
وجفن لسلاح قد رزئت فلم أنح . . . عليه ، ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جوفه من دارم فو حفيظة . . . لوأن المنايا أخطأته لياليا
فأخذه الرضي فأفسده ولم يحسن تصريفه .
قال : فأما أمثلة التعريض فكثيرة ، منها قوله تعالى : ' قال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ' ، فقوله : ' ما نراك إلا بشرا مثلنا ' تعريض بأنهم أحق بالنبوة ، وأن الله تعالى لو أراد أن يجعلها في واحد من البشر لجعلها فيهم ، فقالوا : هب أنك واحد من الملإ وموازيهم في المنزلة ، فما جعلك أحق بالنبوة منهم ، ألا ترى إلى قوله : ' وما نرى لكم علينا من فضل ' ، هذه خلاصة ما ذكره ابن الأثيرفي هذا الباب .
واعلم أنا قد تكلمنا عليه في كثيرمن هذا الموضع في كتابنا الذي أفردناه للنقض عليه ، وهو الكتاب المسمى بالفلك الدائر على المثل السائر ، فقلنا أولا : إنه اختار حد الكناية وشرع يبرهن على التحديد ، والحدود لا يبرهن عليها ، ولا هي من باب الدعاوى التي تحتاج إلى الأدلة ، لأن من وضع لفظ الكناية لمفهوم مخصوص لا يحتاج إلى دليل ، كمن وضع لفظ الجدار للحائط لا يحتاج إلى دليل .
Sayfa 36