شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة
شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة
أسماء غيرها النبي ﷺ
من السنة تغيير الاسم القبيح، فقد روى مسلم عن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ غير اسم عاصية وقال: أنت جميلة)، ولاحظ أن جميلة ليس عكس عاصية، فلا يشترط أنه إذا سمي باسم قبيح أن يغير إلى عكسه، ولكن يغير باسم آخر، والعاص وعاصية كانت من الأسماء المشهورة عند أهل الجاهلية، وليس له علاقة بأنه عاصٍ لله ﷾، إنما يقصد عاصي على الخلق، والعصا سميت عصا لكونها قوية لا تنثني، وفلان عاصٍ أي: أنه يعصي على الخلق، ولا أحد يثنيه، ولا أحد يدوس له على جانب، ولا يأخذ أوامر من أحد، والعرب كان فيهم العصبية والعنجهية وحب النفس، وانظروا إلى بلاد الروم والفرس، هؤلاء أناس أذلة، فالذي يصلح للملك فيهم هي عائلة واحدة فقط عائلة كسرى وعائلة قيصر، أما نحن العرب فكل واحد منا يصلح أن يكون ملكًا من الملوك، فنظرتهم لأنفسهم نظرة غرور، ولذلك ما كانوا يتحدون أبدًا، بل يضرب بعضهم بعضًا، فهذا معنى عاصي، أي: أنا لا أطيق أن أسمع كلام أحد، ولذلك رفضوا أن يقبلوا من النبي ﷺ دعوته، وقال قائلهم: هو نبي ونحن سنأتي بنبوة من أين؟ لن نؤمن به، غيرة وحسدًا له صلوات الله وسلامه عليه أن الله يهبه هذه النبوة العظيمة، فكل واحد منهم يريد أن يكون ملكًا، فكانوا يتباهون بمثل ذلك، فكلمة عاصي وعاصية، معناه: أنه لا يخضع لأحد من الخلق، فالنبي ﷺ منع من هذه التسمية، وغير اسم عاصية إلى جملية.
وروى ابن ماجة هذا الحديث وأن ابنة لـ عمر ﵁ هي من كانت مسماة بذلك فسماها رسول الله ﷺ جميلة.
وفي صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب بن حزن: أن أباه حزنًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: (ما اسمك؟ قال: حزن)، وحزن معناه: المرتفع والناشز من الأرض، والوعر من الأرض والجبل، تقول: هذه الأرض منها السهل وهو الوادي تمشي فيه، ومنها الحزن المرتفع الوعر، الذي يصعب المشي فيه، فالرجل اسمه وعر، فلما قال ذلك قال النبي ﷺ: (بل أنت سهل، فقال: لا أغير اسمًا سمانيه أبي)، قال ابن المسيب الحفيد: فما زالت الحزونة فينا بعد، بمعنى: الصعوبة وغلظ الطبائع والشدة، وسعيد بن المسيب كان من سادة التابعين وهو فقهائهم، وأعلم الناس بقضايا عمر رضي الله تعالى عنهم، ولكن يقول: بسبب هذا الذي فعله جدي صارت الحزونة في العائلة كلها متوازنة فينا؛ لأنه لم يغير هذا الاسم الذي غيره النبي ﷺ.
وروى أبو داود هذا الحديث، وفيه: أن النبي ﷺ قال (ما اسمك؟ قال: حزن، قال: أنت سهل، قال: لا، السهل يوطأ ويمتهن)، فكان السبب في امتناعه هو أنه يعلم أن السهل كل الناس يطئون عليه، وهو يريد أن يكون مرتفعًا عن هذا الشيء، كأن اسم الوعر أعجبه، ليس أي أحد يدوس عليه، قال: سعيد: فظننت أنه سيصيبنا بعده حزونة، كأنه يقول: غالب ظني أو يقيني أننا أصابتنا الحزونة، وليست من الحزن، ولكن من الوعورة، وصعوبة الأخلاق.
قال أبو داود في سننه: وغير النبي ﷺ اسم العاصي وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وحباب وشهاب، أي: هذه أسماء كانت موجودة في عهد النبي ﷺ، والعرب كانوا يتسمون بهذه الأسماء.
فاسم عزيز اسم لله ﷿، ولا يليق بإنسان أن يتسمى به، فلذا غيره النبي ﷺ.
أما عتلة ففيه معنى الغلظة والشدة ولذا غيره النبي ﷺ، وكذلك أبو الحكم كما سيأتي في الحديث بعد ذلك.
واسم غراب لم يعجب ذلك النبي ﷺ؛ إذ الغراب يسقط على الجيف ويأكل النتانة، فغيره النبي ﷺ، وكذلك تقول للإنسان: اغرب عن وجهي، أي: ابتعد، والغراب معناه البعد؛ لأنه بعيد، فهنا حتى لا يتشاءم الناس بمثل هذا الاسم غيره النبي ﷺ اسم غراب لأنه أخبث الطيور، وأيضًا يقع على الجيف ونحوها.
أما حباب فهو اسم شيطان؛ ولذا غيره النبي ﷺ، وكذلك من أسماء الحية، المتحبى فغيره النبي ﷺ، وإن كان هذا الاسم أيضًا يطلق على غير ذلك، لوجود بعض التسمية فيه، فكره النبي ﷺ ذلك، وله معانٍ حلوة، فيأتي بمعنى الحب والحبيب والحباب، ولكن لما كان مشتركًا بين الخبيث والطيب غيره النبي ﷺ؛ لأن أول ما يتوهم منه هو المعنى القبيح.
كذلك غير اسم شهاب ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:١٠]، فهو اسم يدل على النار والنارية، فكره النبي ﷺ ذلك، والشهاب شعلة من النار فكره أن يتسمى المؤمن بذلك.
وغير صلوات الله وسلامه عليه أسماء قبيحة مثل: حرب وسماه سلمًا، وشهاب غيره إلى هشام، وهشام وهاشم كأنها مأخوذة من الكرم، والهاشم والهشام كانوا يهشمون الثريد ويطعمون الحجيج ذلك، فسمي هاشمًا هاشمًا لذلك؛ لأنه يقدم للناس الثريد، يهشم لهم الخبز ويضع عليه الطعام واللحم وغيره ويقدم للحجيج، وغير اسم المضطجع إلى المنبعث.
وأرض كان اسمها عفرة، أي: مجدبة، فغير اسمها ﷺ وسماها: خضرة، وكان هناك شعب -وهو الطريق بين الجبلين- كان اسمه شعب الضلالة، فغير اسمه ﷺ وسماه: شعب الهدى، وشعب بني الزنية، وهي قبيلة كانت تسمى بذلك، والزنية من الزنا والعياذ بالله، فغير النبي ﷺ هذا الاسم، فلا يليق بإنسان مسلم أن يلقب بذلك فسماهم: بني الرشدة، فغير الاسم القبيح إلى مستحسن.
وقبيلة كانت تمسى ببني موغويه، من الغي والضلال، فسماهم بني رشدة.
وفي سنن أبي داود عن أسامة بن أغدري ﵁ أن رجلًا يقال له: أصرم كان في النفر الذين أتوا رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ (ما اسمك؟ قال: أنا أصرم)، وصرم النخل معناه: الحصاد، فكأن معناه من الحصاد، فكره النبي ﷺ الاسم وسماه زرعة، وقال: (بل أنت زرعة).
وفي الصحيحين عن سهل بن سعد ﵁: (أن النبي ﷺ أتي بـ المنذر بن أبي أسيد حين ولد، فوضعه النبي ﷺ على فخذه وأبو أسيد جالس، فلها النبي ﷺ بشيء بين يديه -أي: انشغل به- والغلام على حجره، فأمر أبو أسيد بابنه فاحتمل من على فخذ رسول الله ﷺ يقلبوه)، وهذا من أدب الصحابة، لما وجد النبي ﷺ مشغولًا بشيء أخذ ابنه وأمرهم أن يعيدوه إلى البيت، (فاستفاق رسول الله ﷺ مما كان يشغله، فقال: أين الصبي؟ فقال: أبو أسيد: قلبناه يا رسول الله وأعدناه إلى البيت، فقال: ما اسمه؟ قال: فلان -وكأن اسم الغلام كان اسمًا قبيحًا- فقال النبي ﷺ: لا، ولكن اسمه المنذر، فسماه يومئذ المنذر).
وفي صحيح مسلم عن زينب بنت أبي سلمة قالت: (كان اسمي برة)، ومعناه: البارة العظيمة البر، وهو اسم فيه تزكية، فالنبي ﷺ كره ذلك، وغير هذا الاسم الذي يدل على التزكية، قالت: (فسماني رسول الله ﷺ زينب، قالت: ودخلت عليه زينب بنت جحش، واسمها برة فسماها زينب)، فهذه زينب بنت أبي سلمة غير اسمها فسماها زينب، وكان اسمها برة، وكذلك زينب بنت جحش كان اسمها برة فغير النبي ﷺ اسمها وسماها زينب.
وروى أبو داود عن محمد بن عمرو بن عطاء: أن زينب بنت أبي سلمة سألت محمد بن عمرو بن عطاء: ما سميت ابنتك؟ قال: سميتها برة، فقالت: (إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم، وحكت عن نفسها أنه كان اسمي برة، فقال النبي ﷺ: لا تزكوا أنفسكم)، أي: دعوا من الأسماء التي فيها معاني التزكية، وإن كان كل اسم فيه من هذا، ولكن برة كأنها الجامعة لخصال البر، العظيمة البر، فمنع النبي ﷺ من ذلك، وهذا كله على وجه الكراهة، قالت: (وقال: الله أعلم بأهل البر منكم، قال: ما نسميها؟ قال: سموها زينب).
أيضًا روى أبو داود والنسائي عن مقدام بن شريح، عن أبي شريح عن أبيه هانئ: (أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه سمعهم يكنونه بـ أبي الحكم فدعاه، فقال: إن الله هو الحكم، وإليه الحكم)، أي: كيف يلقبونك أو يكنونك بـ أبي الحكم؟ وهذا من تلطفه ﷺ معه -وكان يمكنه بداية أن يغير اسمه- لأن له شأنًا في قومه، فسأله النبي ﷺ: (لم تكنى بـ أبي الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين)، كان له شأن في قومه بحيث إذا اختلفوا مع بعض يذهبون إليه فيحكم بينهم ويرضي الجميع بحكمه، (فقال رسول الله ﷺ: ما أحسن هذا!)، وهذا من أدبه الجم وتلطفه ﷺ، قال: (فما لك من الولد؟ قال: لي شريح و
24 / 13