أين حسن النيل من نهرٍ بها ... كلّ نغماتٍ لديه تطرب
كم به من زورقٍ قد حلّه ... قمرٌ ساقٍ وعودٌ يضرب
لذة النّاظر والسمع على ... شمّ زهرٍ وكؤوسٍ تشرب
كم ركبناها فلم تجمح بنا ... ولكم من جامحٍ إذ يركب
طوعنا حيث اتجهنا لم نجد ... تعبًا منها إذا ما نتعب
قد أثارت عثيرًا يشبهه ... نثر سلكٍ فوق بسطٍ ينهب
كلّما رشنا لها أجنحةً ... من قلاعٍ ظلت منها تعجب
كطيورٍ لم تجد ريًّا لها ... فبدا للعين منها مشرب
بل على الخضراء (١) لا أنفكّ من ... زفرةٍ في كلّ حين تلهب
حيث للبحر زئيرٌ حولها ... تبصر الأغصان منه ترهب
كم قطعنا الليل فيها مشرقًا ... بحبيبٍ ومدامٍ يسكب
وكأنّ البحر ثوبٌ أزرقٌ ... فيه للبدر طرازٌ مذهب
وإلى الحور حنيني دائمًا ... وعلى شنّيل دمعي صيّب (٢)
حيث سلّ النهر عضبًا وانثنت ... فوقه القضب وغنّى الربرب
وتشفّت أعين العشّاق من ... حور عينٍ بالمواضي تحجب
ملعبٌ للهو مذ فارقته ... ما ثناني نحو لهوٍ ملعب
وإلى مالقةٍ يهفو هوىً ... قلب صبٍّ بالنوى لا يقلب
أين أبراجٌ بها قد طالما ... حثّ كأسي في ذراها كوكب
حفّت الأشجار عشقًا حولنا ... تارةً تنأى وطورًا تقرب
جاءت الريح بها ثم انثنت ... أتراها حذرت من ترقب
(١) يعني الجزيرة الخضراء، وقد قضى ابن سعيد فيها جانبًا من حياته إذ كان والده واليًا عليها، وكان هو ينوب عنه أحيانًا.
(٢) الحور: حور مؤمل وهو من متنزهات غرناطة (المغرب ٢: ١٠٣) وشنيل هو نهرها، وقد مر التعريف به في هذا الكتاب.