362

Mukhtasar Tefsir-i İbn Kesir

مختصر تفسير ابن كثير

Yayıncı

دار القرآن الكريم

Baskı

السابعة

Yayın Yılı

1402 AH

Yayın Yeri

بيروت

يَأْمُرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ أَيْ بِالْعَدْلِ فَلَا يَعْدِلُوا عَنْهُ يَمِينًا وَلَا شَمَالًا، وَلَا تَأْخُذَهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَلَا يَصْرِفَهُمْ عَنْهُ صَارِفٌ، وَأَنْ يَكُونُوا مُتَعَاوِنِينَ مُتَسَاعِدِينَ مُتَعَاضِدِينَ مُتَنَاصِرِينَ فِيهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿شُهَدَآءَ للَّهِ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿وَأَقِيمُواْ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ أَيْ أدوها ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ صَحِيحَةً عَادِلَةً حَقًّا، خَالِيَةً مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ وَالْكِتْمَانِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أَيْ اشْهَدِ الْحَقَّ وَلَوْ عَادَ ضَرَرُهَا عَلَيْكَ، وَإِذَا سُئِلْتَ عَنِ الأمر فقل الحق فيه لو عادت مضرته عَلَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ لِمَنْ أَطَاعَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا مَنْ كُلِّ أَمْرٍ يَضِيقُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ أَيْ وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى وَالِدَيْكَ وَقَرَابَتِكَ فَلَا تُرَاعِهِمْ فِيهَا، بَلِ اشهد الحق وَإِنَّ عَادَ ضَرَرُهَا عَلَيْهِمْ فَإِنَّ الْحَقَّ حَاكِمٌ على كل أحد، وقوله: ﴿وإن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أَيْ لَا تَرْعَاهُ لِغِنَاهِ وَلَا تُشْفِقْ عَلَيْهِ لِفَقْرِهِ، اللَّهُ يَتَوَلَّاهُمَا، بَلْ هُوَ أَوْلَى بِهِمَا مِنْكَ وَأَعْلَمُ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمَا وَقَوْلُهُ: ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ﴾ أَيْ فَلَا يَحْمِلْنَّكُمُ الهوى والعصبية وبغض النَّاسِ إِلَيْكُمْ عَلَى تَرْكِ الْعَدْلِ فِي أُمُورِكُمْ وَشُؤُونِكُمْ، بَلِ الْزَمُوا الْعَدْلَ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أن لا تعدلوا اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ ومن هذا قَوْلُ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ) لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ يحرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهمم، فَأَرَادُوا أَنْ يَرْشُوهُ لِيَرْفُقَ بِهِمْ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَحَبِّ الْخَلْقِ إِلَيَّ وَلْأَنْتَمْ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ أَعْدَادِكُمْ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَمَا يَحْمِلُنِي حُبِّي إِيَّاهُ، وَبُغْضِي لَكُمْ على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.
وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ قال مجاهد: تلووا أن تُحَرِّفُوا الشَّهَادَةَ وَتُغَيِّرُوهَا، وَاللَّيُّ: هُوَ التَّحْرِيفُ وَتَعَمُّدُ الكذب. قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ الآية، والإعراض: هو كتمان الشهادة وتركها. قال تعالى: ﴿ون يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قلبه﴾، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «خَيْرُ الشهداء الذي يأتي بالشهادة قَبْلَ أَنْ يُسألها»، وَلِهَذَا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أَيْ وسيجازيكم بذلك.
- ١٣٦ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بعيدا
يأمر تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالدُّخُولِ فِي جَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِيمَانِ وَشُعَبِهِ وَأَرْكَانِهِ وَدَعَائِمِهِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ باب تحصيل الحاصل، بل هو من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته الاستمرار عَلَيْهِ، كَمَا يَقُولُ الْمُؤْمِنُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ أي بصّرنا وَزِدْنَا هُدَى، وَثَبِّتْنَا عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتقوا الله وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ وَهَذَا جِنْسٌ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَالَ فِي الْقُرْآنِ ﴿نَزَّلَ﴾ لِأَنَّهُ نَزَلَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلَى الوقائع بحسب ما يحتج إليه العباد في معاشهم ومعادهم، وَأَمَّا الْكُتُبُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَكَانَتْ تَنْزِلُ جُمْلَةً وَاحِدَةً، لهذا قال تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾، ثُمَّ قَالَ تعالى: ﴿ومن يَكْفُرْ بالله وَمَلآئِكَتِهِ وكتبه ورسله اليوم الآخر فَقَدْ ضَلَّ صلالًا بَعِيدًا﴾ أَيْ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، وَبَعُدَ عَنِ الْقَصْدِ كُلَّ الْبُعْدِ.

1 / 447