309

Mukhtasar Tefsir-i İbn Kesir

مختصر تفسير ابن كثير

Yayıncı

دار القرآن الكريم

Baskı

السابعة

Yayın Yılı

1402 AH

Yayın Yeri

بيروت

فأخذت الخمر منا، وحضرت فَقَدَّمُوا فُلَانًا قَالَ فَقَرَأَ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ مَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ نَعْبُدُ ما تعبدون، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تقولون﴾ (رواه ابن أبي حاتم والترمذي) وقال العوفي عن ابن عباس في الآية: إن رجالًا كانوا يأتون وهم سكارى قبل أن يحرم الْخَمْرُ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سكارى﴾ الآية، رواه ابن جرير، وعن قَتَادَةَ: كَانُوا يَجْتَنِبُونَ السُّكْرَ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَوَاتِ، ثم نسخ بتحريم الخمر، وقال الضحاك: لَمْ يَعْنِ بِهَا سُكْرَ الْخَمْرِ، وَإِنَّمَا عَنَى بها سكر النوم. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ سُكْرُ الشَّرَابِ، قَالَ: وَلَمْ يَتَوَجَّهِ النَّهْيُ إِلَى السَّكْرَانِ الَّذِي لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ لِأَنَّ ذَاكَ فِي حُكْمِ الْمَجْنُونِ، وَإِنَّمَا خُوطِبَ بِالنَّهْيِ الثَّملُ الَّذِي يَفْهَمُ التَّكْلِيفَ، وَهَذَا حَاصِلُ مَا قَالَهُ. وَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ أن الخطاب يتوجه إلى من يفهم الكالم دُونَ السَّكْرَانِ الَّذِي لَا يَدْرِي مَا يُقَالُ لَهُ، فَإِنَّ الْفَهْمَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أن يكون المراد التعريض بالنيه عَنِ السُّكْرِ بِالْكُلِّيَّةِ لِكَوْنِهِمْ مَأْمُورِينَ بِالصَّلَاةِ فِي الْخَمْسَةِ الْأَوْقَاتِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَلَا يَتْمَكَنُّ شَارِبُ الْخَمْرِ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا دَائِمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ وَهُوَ الْأَمْرُ لَهُمْ بِالتَّأَهُّبِ لِلْمَوْتِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الطَّاعَةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ هَذَا أَحْسَنُ مَا يُقَالُ فِي حَدِّ السَّكْرَانِ إِنَّهُ الَّذِي لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ، فَإِنَّ الْمَخْمُورَ فِيهِ تَخْلِيطٌ فِي الْقِرَاءَةِ وَعَدَمُ تَدَبُّرِهِ وَخُشُوعِهِ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ الإمام أحمد عَنْ أنَس قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يصلي فينصرف ولينم حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقُولُ» (انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ) وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ: «فَلَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فيسب نفسه».
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ عن ابن عباس قَالَ: لَا تَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ وَأَنْتُمْ جُنُبٌ إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ، قَالَ تَمُرُّ بِهِ مَرًّا وَلَا تجلس، يروى أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَتْ أَبْوَابُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَتْ تُصِيبُهُمُ الْجَنَابَةُ وَلَا مَاءَ عِنْدَهُمْ، فَيَرِدُونَ الْمَاءَ وَلَا يَجِدُونَ مَمَرًّا إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سبيل﴾، ويشهد لصحته مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ»، وَهَذَا قَالَهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ ﷺ عِلْمًا مِنْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ سَيَلِي الْأَمْرَ بَعْدَهُ، وَيَحْتَاجُ إِلَى الدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ كَثِيرًا لِلْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ فِيمَا يَصْلُحُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ الشَّارِعَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَّا بَابَهُ ﵁، وَمَنْ رَوَى (إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ) كَمَا وقع في بعض السنن فهو خطأ، والصواب مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ. وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ على الجنب المكث فِي الْمَسْجِدِ، وَيَجُوزُ لَهُ الْمُرُورُ، وَكَذَا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ أَيْضًا فِي مَعْنَاهُ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهَمْ قال: يحرم مُرُورَهُمَا لِاحْتِمَالِ التَّلْوِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ أَمِنَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا التَّلْوِيثَ فِي حَالِ الْمُرُورُ وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَاوِلِينِي الخُمرة مِنَ الْمَسْجِدِ»، فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» وفيه دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ مُرُورِ الْحَائِضِ فِي الْمَسْجِدِ وَالنُّفَسَاءُ فِي مَعْنَاهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى أَبُو داود عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ»، قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَطَّابِيُّ: ضعف هذا

1 / 394