منهاج المتقين في علم الكلام
منهاج المتقين في علم الكلام
القول في أن القرآن محدث
أهم ما ينبغي تقديمه هنا بيان محل النزاع، ولا شك أنا إذا قلنا القرآن محدث فإنما نريد به هذه الحروف والأصوات المتلوة في ألسنة الناس.
فأما الكلام النفسي فلسنا نثبته فصلا عن أن يحكم فيه بقدم أو حدوث، وأهل التمييز من المجبرة لا يكالمونا في هذا الموضوع؛ لأنهم يعترفون بحدوث هذا الذي يتلوه، ولكنهم يدعون أن القرآن معنى قائم بالنفس غير الذي يسمعه، فموضع مكالمتهم نفي هذا المعنى النفسي.
وأما أهل البله منهم كالكرامية والحنابلة وبعض أهل الحديث فيعترفون بأن الكلام هو هذه الحروف والأصوات المسموعة ويدعون أنه قديم.
والكلام عليهم من جهة العقل أن يقول: إن هذا القرآن /320/ مرتب في الوجود، فبعضه يتقدم على بعض، فالألف من الحمد متقدمة على اللام، واللام على الحا، وكذلك سائرها، وكل ما تقدمه غيره، فهو محدث، وكذلك ما يتقدم على المحدث بأوقات محصورة، فهو محدث.
دليل، لا شك أن القرآن مقيد بالمواضعة من حيث نزل على لغة العرب ولغتهم إنما تفيد المعاني بالمواضعة، ولهذا تختلف دلالة الألفاظ بحسب اختياراتهم ومواضعهم.
دليل، لو كان قديما لكانت حروفه موجودة دفعة واحدة في مالم يزل، ولو كان كذلك لبطلت فائدته، لوما كان معقولا.
دليل، قد ثبت أنه معجز، والمعجز لا بد أن يكون محدثا من حيث أن المعجز هو الفعل الخارق للعادة المتعلق بدعوى المدعي للنبوة.
دليل، لا شك أن الحروف والأصوات من قبيل الأعراض، وجميع الأعراض محدثة ومحتاجة إلى محال محدثة.
دليل، قد ثبت أن القرآن من أعظم نعم الله على خلقه وأجلها، وبه يتميز الحلال من الحرام، وغليه يرجع في كثير من الأحكام، ولهذا قال تعالى في معرض المن، {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} وقال تعالى لموسى: {إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي} ولا يعقل كونه نعم ومنة إلا إذا كان محدثا.
Sayfa 491