منهاج المتقين في علم الكلام
منهاج المتقين في علم الكلام
الرابع: أن يكون متردد الدواعي، فيكون له داع إلى الفعل، وهو علمه بوجوبه أو ندبه وصارف، وهو المشقة الذي يلحقه بفعله، وكذلك يكون له إلى القبيح داع، وهو اللذة التي تحصل به، وصارف عنه وهو علمه بقبحه، فحيئنذ يفعل ويترك لأجل التكليف، وإنما يتم هذا بأن يخلق فيه شهوة القبيح ونفرة الحسن، فإن هما تتم مشقة التكليف التي لأجلها يحل الثواب حتى لو كان الأمر بالعكس لم يحصل له إلى القبيح داع، ولا عن الحسن صارف، فلا يستحق ثوابا لزوال المشقة، وقد دخل في هذا ما يعلم من حال كفار الهند، فإنه إذا مات الرجل أحرقوا امرأته حية، فهم مكلفون بترك إحراق أنفسهم، وإن كان في الإحراق مشقة عظيمة، وذلك لأنه طرت عليهم شبهة اعتقدوا لأجلها أن في الإحراق نفعا عظيما، فقد صارت دواعيهم مترددة، وصار ترك الإحراق شاقا عليهم من هذا الوجه، وكذلك /278/ الكلام في عيادة النصارى للصليب وحفظ اليهود للسبت وسائر ما نهوا نه، مما فيه مشقة ويفارق هذا حال المسلمين فإنهم لبسوا مكلفين بترك إحراق أنفسهم وعبادة الصليب ونحو ذلك، بل هم ملجئون إلى تركه لتوفر الصوارف عنه، وفقد الدواعي.
ومن هاهنا قال أصحابنا: أن من استغنى بالحسن عن القبيح وعلم ذلك ولم يحصل عليه مشقة في فعل الحسن ولا ترك القبيح، فإنه لا يكون مكلفا به؛ لأنه غير متردد الدواعي، بل هو في حكم الملجأ إلى فعل الحسن، وجعل ذلك أحد الوجوه في زوال التكليف عن أهل الجنة.
وأما الشروط الراجعة إلى المكلف الحكيم فهي أربعة.
الأول: أن يكون منعما على المكلف بما معه يستحق الطاعة والعبادة، وهي أصول النعم التي هي خلق الحي وحياته وقدرته وشهوته وتمكينه من المشتهى والعقل الذي يه يميز بين الحسن والقبيح، فحينئذ يستحق العبادة، ويجري ذلك مجرى الشكر المطلق على النعمة في الشاهد.
فإن قال: إذا كان السبب في استحقاق العبادة كونه منعما بأصول النعم لم نستحق نحن ثوابا على الطاعة؛ لأنها كالمستحقة.
Sayfa 420