Tefsirin Güzellikleri
محاسن التأويل
ذلك ، بل حصل هذا بغير قدرته ولا مشيئته ، ثم جعل أعداءه الذين بدلوا دينه مضاجعيه في حضرته ، تسلم أمته عليه وعليهم كل وقت (كما تظنه الرافضة) فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه ، سواء قالوا إنه قادر على أن ينصرهم ويجعل لهم الدولة والظفر ، أو أنه غير قادر على ذلك. فهم قادحون في قدرته أو في حكمته وحمده ، وذلك من ظن السوء به. ولا ريب أن الرب الذي فعل هذا بغيض إلى من ظن به ذلك ، غير محمود عندهم ، وكان الواجب أن يفعل خلاف ذلك ، لكن رفوا هذا الظن الفاسد بخرق أعظم منه ، واستجاروا من الرمضاء بالنار ، فقالوا : لم يكن هذا بمشيئة الله ، ولا قدرة على دفعه ونصر أوليائه ، فإنه لا يقدر على أفعال عباده ، ولا يدخل تحت قدرته ، فظنوا به ظن إخوانهم المجوس والثنوية بربهم. وكل مبطل وكافر ومبتدع ومقهور مستذل ، فهو يظن بربه هذا الظن ، وإنه أولى بالنصر والظفر والعلو من خصومه. فأكثر الخلق ، بل كلهم ، إلا من شاء الله ، يظنون بالله غير الحق وظن السوء. فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق ، ناقص الحظ ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله ، ولسان حاله يقول : ظلمني ربي ومنعني ما أستحقه ، ونفسه تشهد عليه بذلك ، وهو بلسانه ينكره ، ولا يتجاسر على التصريح به. ومن فتش نفسه ، وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها ، رأى ذلك فيها كامنا كمون النار في الزناد ، فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده ، ولو فتشت من فتشته ، لرأيت عنده تعتبا على القدر ، وملامة له ، واقتراحا عليه خلاف ما جرى به ، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا ، فمستقل ومستكثر ، وفتش نفسك هل أنت سالم من ذلك :
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة
وإلا فإني لا أخالك ناجيا
فليعتن اللبيب الناصح نفسه بهذا الموضع ، وليتب إلى الله ويستغفره كل وقت ، من ظنه بربه ظن السوء. وليظن السوء بنفسه التي هي مادة كل سوء ، ومنبع كل شر ، المركبة على الجهل والظلم ، فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين ، الغني الحميد ، الذي له الغنى التام ، والحمد التام ، والحكمة التامة ، المنزه عن كل سوء ، في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه. فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه ، وصفاته كذلك. وأفعاله كذلك ، كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل. وأسماؤه كلها حسنى. والمقصود ما ساقنا إلى هذا الكلام من قوله تعالى : ( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ).
ثم أخبر عن الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل بقوله : ( يقولون هل لنا من الأمر من شيء ) أي هل لنا من أمر التدبير والرأي من شيء ، استفهام على سبيل
Sayfa 438