715

Lessons by Sheikh Muhammad Hassan Al-Dedew Al-Shanqeeti

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

خشوع النبي ﷺ
إن الذي يعلم بعض أحوال رسول الله ﷺ عند سماعه للقرآن وبعض أحواله في عباداته الأخرى، يستشعر أنه ﷺ مع ما امتن الله به عليه من البشارة العاجلة، ومع ما ادخر له من المقام المحمود العظيم الذي خصه الله به من بين الخلائق؛ كان يتأثر بهذا القرآن تأثرًا عجيبًا، ففي حديث ابن مسعود في الصحيحين: (أن النبي ﷺ قال له: اقرأ علي القرآن، فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أنزل؟! فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال ابن مسعود: فقرأت سورة النساء حتى بلغت قول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١ - ٤٢]، قال: حسبك! فنظرت فإذا عيناه تهملان).
(وخرج ذات ليلة في المدينة فمر على باب عجوز من الأنصار، فإذا هي تقرأ القرآن، فوقف رسول الله ﷺ يستمع، فقرأت العجوز: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١]، فقال رسول الله ﷺ: نعم أتاني، نعم أتاني، وجلس يبكي عند بابها).
وعندما غزا رسول الله ﷺ غزوة فتح مكة، وقد وعده الله ﷾ بفتحها عليه فقال: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح:٢١]، مع ذلك يدخلها وهو في حال عجيب من الخشوع، يقول جابر بن عبد الله ﵄: (فلما دخل رسول الله ﷺ مكة ألصق ذقنه بصدره حياءً من الله أن يدخل حرمه في السلاح).
فهكذا كان حياؤه من الله، مع أن الله أحلها له، وقد قال ﷺ: (وإنما أحلت لي ساعة من نهار)، كما في حديث أبي شريح رضي الله في صحيح البخاري، ومع ذلك يخشع ﷺ هذا الخشوع العظيم حياءً من الله ﷾، وأدبًا معه، وتوقيرًا لحرماته، وتعظيمًا لها؛ لأن ذلك من التقوى، كما قال ﷿: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
إن كثيرًا من السابقين كانوا يخشعون في حلق العلم كما يخشعون في الصلاة، فهي عبادة لله ﷾؛ فيستعدون لها، ويتأهبون لها كما يتأهبون للصلاة، ويخشعون فيها كخشوعهم في الصلاة.

26 / 11