714

Lessons by Sheikh Muhammad Hassan Al-Dedew Al-Shanqeeti

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

فائدة الخشوع
إن الإنسان إذا أحس بطعم هذا الخشوع سهل عليه، واستطاع أن يتعود عليه في أموره كلها، فكثير من سلفنا الصالح كانوا خاشعين في كل أوقاتهم، وإذا نظر الإنسان إليهم تذكر الله ﷾؛ فهم دائمًا مشتغلون بطاعته وعبادته، وبمجرد النظر إلى أحدهم تتذكر الله ﷾.
كان أهل الشام يقولون: إنا لتصدأ قلوبنا فنذهب إلى أبي الدرداء، فلا نكلمه كلمة واحدة، وإنما ننظر إليه في مصلاه فنرجع وقد تخلصنا من ذلك الصدأ؛ لأن أبا الدرداء كان في عبادته كأنما ينظر إلى الجنة والنار بين يديه.
وكذلك فإن كثيرًا من الذين أتوا من بعد أصحاب رسول الله ﷺ -أيضًا- كانوا بهذا الحال في كل أوقاتهم، فقد كان أهل العراق يذهبون إلى الحسن بن أبي الحسن البصري ﵀، فإذا رأوه ورآهم بكى هو لرؤيتهم، وبكوا هم لبكائه! وقد ذكر مالك ﵀ أمثال ذلك عن أهل المدينة، وتعظيمهم لرسول الله ﷺ الذي يدل على تعظيمهم لله ﷿، فقد قال مالك ﵀: (لو أدركتم ما أدركت لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا؛ فقد أدركت جعفر بن محمد وكان ذا دعابة، فإذا ذكر عنده رسول الله ﷺ بكى حتى كأنه ما عرفك ولا عرفته.
هذا هو الرجل الكريم الذي كان ينفق ماله كله على الناس، ويخدم الفقراء بيده، وهو قد جمع أشرف النسب، فأبوه محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأمه عائشة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فجمع الطرفين، وهو عالم أهل المدينة في ذلك الوقت وعابدهم، وهذا مع حسن خلقه ولباقته، ولكنه كان إذا ذكر عنده رسول الله ﷺ، بكى حتى كأنه ما عرفك ولا عرفته.
قال مالك: (وأدركت محمد بن المنكدر وكان إذا حدثنا عن رسول الله ﷺ امتقع لونه وتغير، حتى رحمناه، وخرجنا عنه).
فأولئك القوم كانوا بهذا المستوى من الخشوع في كل أوقاتهم، ولم يزل الخشوع يتناقص في الناس عصرًا بعد عصر، فاليوم تسمع من يسمع القرآن كاملًا أو يقرؤه كاملًا ولم تتحرك نفسه لآية واحدة منه! ولو نزل القرآن على جبل من الجبال لصار دكًا لجلال الله، كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١].
وتجد من يذكر عنده رسول الله صلى الله علي وسلم في المجلس كثيرًا، ويسمع كثيرًا من أحاديثه الصحيحة عنه، وكثيرًا من أحواله، ومع ذلك لا ينتفض قلبه، ولا يتأثر، ولا يتذكر.
إن كثيرًا من الذين لا يفهمون حرفًا واحدًا من القرآن يتأثرون لسماعه تأثرًا بليغًا، وكثيرًا من الذين يفهمونه ويتعقلونه ويدرسون تفسيره لا يتأثرون به، وهذا عجب من العجائب! وآية من الآيات، بل هو من معجزات هذا الكتاب العظيم، وقد شاهدنا عددًا من الأعاجم الذين لا يعرفون القرآن، ولا يفهمون منه كلمة واحدة، ومع ذلك لا يسمعون قراءته حتى تسمع النشيج عن يمينك وشمالك، يبكون بكاءً صادقًا بحرقة عظيمة، وذلك أنهم يعرفون أن هذا كلام الله، فقدر مستواهم في العلم أن يعلموا أن هذا الكلام كلام الله، فأحبوه من أجل ذلك، فبكوا تأثرًا به.
وقد كان عكرمة بن أبي جهل ﵁ عند موته يقلب المصحف على خديه ويقول: كلام ربي، كتاب ربي! محبة للقرآن، حتى توفي على ذلك ﵁ وأرضاه.

26 / 10