649

Lessons by Sheikh Muhammad Al-Mukhtar Al-Shanqiti

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

أهمية خوف المؤمن من حبوط عمله وهو لا يشعر
شكر الله لفضيلة الشيخ محمد الدويش على هذه الكلمة، وقد ذكرني عندما تكلم عن حاله بفعل كثير من سلفنا الصالح، وعلى رأسهم صحابة رسول الله ﷺ بعد رسول الله ﵊، كانوا يبذلون ويعملون ويجدون ويجتهدون ويجاهدون ويضحون، ومع ذلك يقولون عن أنفسهم ولسان حالهم: يظن الناس بي خيرًا وإني لشر الناس إن لم تعفُ عني أيها الإخوة: هذا شأنهم، يعمل ويجد ويجتهد في دين الله جل وعلا، أعمال قاصرة من قيام الليل وصيام وغير ذلك، وأعمال متعدية من دعوة وتأليف وكتابة ونشر للخير وهداية للخلق، هداية دلالة وإرشاد وإلى غير ذلك، ومع ذلك يستشعر أنه مقصر في جنب الله وفي ذات الله جل وعلا.
وفي صحيح البخاري في كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، أورد أثرًا عن ابن أبي مليكة يقول: [أدركت ثلاثين من صحابة رسول الله كلهم يخاف النفاق على نفسه] الصحابة وهم من هم في العلم والعمل والجد والاجتهاد والبذل في كثير من مجالات الحياة، ومع ذلك يخافون النفاق على أنفسهم، يقول ابن حجر: ومن أدرك ابن أبي مليكة؟ أدرك أناسًا من كبار الصحابة، أدرك أبا هريرة وأدرك عائشة وأدرك العبادلة وغيرهم، ومع ذلك كان أحدهم يخاف النفاق على نفسه.
فاروق هذه الأمة عمر كان يبذل ويعمل وسيرته معروفة، ومع ذلك كان يقول لابنه عبد الله عند موته: [ضع خدي على التراب، فإني لا أدري أيغفر الله لي] وهذا من استشعارهم للتقصير، قال الحسن البصري ﵁: [أولئك جمعوا إحسانًا وخشية، ومَن بعدهم جمعوا إساءةً وأمنا] يكون عنده معاصٍ وذنوب ثم يقول: أنا أحسن من غيري، فعلت وبذلت وغيري لم يفعل ما فعلت.
نسأل الله السلامة والعافية.
فاروق هذه الأمة عمر الذي لا تخفى عليكم الأحاديث الواردة في فضله، يشهد له النبي ﵊ بأنه من العشرة المبشرين بالجنة، ويوم وقف النبي على جبل أحد قال: (أثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) ويقول ﷺ عن عمر: (ما سلكت فجًا إلا سلك الشيطان فجًا آخر) وكذلك شهد له الصحابة بذلك، يقول ابن عباس: [كثيرًا ما كان يقول ﵊: جئت أنا وأبو بكر وعمر وذهبت أنا وأبو بكر وعمر] ومع ذلك كان يتبع حذيفة أمين سر رسول الله ﵊، فينظر من يصلي عليهم حذيفة ومن لا يصلي عليهم؛ لأنه يعلم أنه يحفظ أسماء المنافقين، ثم يأتي لـ حذيفة فيقول: [يا حذيفة! أسألك بالله أعدني رسول الله في المنافقين؟] عمر يخاف على نفسه؛ إذًا ماذا نقول عن أنفسنا؟ ولا يعني هذا أن نقنط، وإنما هذا شعور لابد أن نستشعره، وأن نعمل ونبذل ونستشعر الخوف من الله جل وعلا، ونخاف من عدم القبول.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم إخلاص النية، وأن يبعد عنا جميع أمراض القلوب، والعُجْبَ الذي قال عنه النبي ﷺ: (لولا أنكم تذنبون لخفت عليكم ما هو أعظم!! العجب العجب) كما ثبت في الحديث الحسن، ونسأل الله أن يطهر قلوبنا من الرياء الذي هو الشرك الخفي، ونسأل الله أن يطهر قلوبنا من الكبر: الذي لا يدخل صاحبه الجنة، ونسأل الله جل وعلا أن يطهر قلوبنا من جميع أمراضها، وأن يطهر ظواهرنا وبواطننا، كما نسأله أن يرزقنا الاستقامة على دينه والثبات على شرعه، وأن يجعلنا وإياكم ممن يلتزم السنة وهدي نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لنكون من عباده المهتدين.
أما الآن فمع كلمة للشيخ محمد الشيخ حفظه الله ليتحفنا بما عنده، نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا وإياكم بما نسمع وما نقول.

38 / 6