والثانية - وهي الراجحة - يجوز الانتفاع به، لقول النبي ﷺ السابق: «هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه»، ولأن الصحابة ﵃ لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم وذبائحهم ميتة، ولأنه انتفاع من غير ضرر، فأشبه الاصطياد بالكلب، وركوب البغل والحمار. وصوف الميتة وشعرها ووبرها وريشها طاهر عند الحنابلة.
والراجح عندي رأي الحنفية والشافعية في أن الدباغ مطهر، لأن حديث ابن عكيم فيه اختلاف واضطراب، قال الحازمي في الناسخ والمنسوخ: وطريق الإنصاف فيه: أن يقال: إن حديث ابن عكيم ظاهر الدلالة في النسخ، لو صح، ولكنه كثير الاضطراب، لا يقاوم حديث ميمونة في الصحة. والمصير إلى حديث ابن عباس أولى لوجوه من الترجيح، ويحمل حديث ابن عكيم على منع الانتفاع به قبل الدباغ، وحينئذ يسمى إهابًا، وبعد الدباغ يسمى جلدًا، ولا يسمى إهابًا، وهذا معروف عند أهل اللغة، وليكون جمعًا بين الحكمين، وهذا هو الطريق في نفي التضاد (١).
ويلاحظ أخيرًا أن كلًا من التخلل والدباغ داخل في استحالة أو انقلاب العين.
١٣ ً - الذكاة الشرعية (الذبح) في تطهير الذبيح: وهو أن يذبح مسلم أوكتابي (يهودي أو نصراني) حيوانًا ولو غير مأكول اللحم. فيطهر بالذكاة في أصح مايفتى به عند الحنفية من الحيوان غير المأكول الجلد دون اللحم والشحم، لأن كل حيوان يطهر بالدباغ يطهر جلده بالذكاة، لقوله ﷺ: «دباغ الأديم ذكاته» (٢)
(١) نيل الأوطار: ٦٥/ ١.
(٢) روى النسائي عن عائشة: سئل النبي ﷺ عن جلود الميتة، فقال: دباغها ذكاتها. وللدارقطني عنها عن النبي ﷺ قال: «طُهور كل أديم دباغه. قال الدارقطني: إسناده كلهم ثقات (نيل الأوطار: ٦٣/ ١) وأخرجه أيضًا ابن حبان والطبراني والبيهقي.