فأمَّا إضلالُ السامري لعبدة العجل، فهذا أيضًا بالدعاء لهم إلى ذلك
وتزيينه، وقوله هذا إلهُكم وإلهُ موسى، وبما صنَعه من قبضةٍ قَبضَها من أثر
الرسول وما سوَّلت له نفسُه، وقد قالَ الله تعالى في قصّة موسى: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) .
فبدأ بذكر الفتنة التي بها بدأ، وذلك أن اللهَ بصَّره أثرَ الرسول فقبض منه القبضة وجعل للعجل بعد أن صنع خوارًا يخورُ به ويمشي، وليس ذلك تحت قدرة أحدٍ من الخلق ولولا الخوارُ ومشيُه لما عبَده القوم، ولا كان عليهم فيه شبهة.
ورويَ من غير طريقٍ عن ابن عباس: "إن العجل كان يخورُ ويمشي وإن موسى قال: يا رب هذا السامريُّ أمرَهم أن يتَّخذوا العجل، أرأيت الروحَ من نفخَها فيه، قال الرب: أنا، قال: فأنت إذًا أضللتهم وفي رواية أخرى "يا رب علمت أنّ الحليَّ حليُّ آل فرعون، وأنّ السامريَّ صاغ العجل، والخوارُ ممن، فقال مني يا موسى (١)، فقال: (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ) .
فأخبر موسى أنّ الفتنة من عند الله، وأنّ اللهَ يهدي من يشاء، ويضل بها من
يشاء ولم يُضف إلى السامريِّ ذلك ولا جعله إليه، وموسى عند القدرية
مجبر مذموم بهذا القول، وإن كانوا يخافون في إظهارِ ذلك من خوف السيف.
فبانَ بهذه الجملة كيفيةُ إضافةِ الله تعالى الإضلالَ تارةً إلى نفسه وتارةً إلى
فرعونَ والسامريِّ وتارةً إلى المجرمين، وتارةً إلى إبليسَ والشياطين، وأنّه لا
تناقضَ في ذلك ولا تنافي إذا كان منزّلًا مرتّبًا على ما بيّناه، وبطلَ بذلك ما
قاله الملحدون وتوهّموه.
واعلموا - رحمكم الله - أنّ خلقَ اللهِ الروحَ والخوارَ والمشيَ في العجل.
ودعوةُ السامري وإلباسُ فرعونَ والمجرمينَ لا يكونُ ضلالًا إلا لمن استضرَّ
به وأجاب إليه، وضلَّ عند مشاهدته، وكان ممن قسمَه اللهُ لناره، ولا يجوزُ
(١) كلام يفتقر إلى سند.
2 / 649
المقدمة
تمهيد
(باب) (القول في بيان حكم بسم الله الرحمن الرحيم والناس والفلق، ودعاء القنوت وترتيب سور القرآن ونظم آياته وعددها والقول في أول ما أنزل منه وآخره)
(باب) الكلام في بيان الحكم في أول ما نزل من القرآن وآخره ومكيه ومدنيه، وهل نص الرسول ﵇ على ذلك أم لا
(باب) القوله في ببان حكم كلام القنوت، وما روي عن أبي من الخلاف في ذلك
(باب) القول في ترتيب سور القرآن وهل وقع ذلك منهم عن توقيف أو اجتهاد
(باب) الكشف عن وجوب ترتيب آيات السور وأن ذلك إنما حصل بالنص والتوقيف دون الاجتهاد
(باب) الكلام في المعوذتين والكشف عن ظهور نقلهما وقيام الحجة بهما، وإبطال ما يدعونه من إنكار عبد الله بن مسعود لكونهما قرآنا منزلا
الجزء الثاني
(باب) تعلقهم بالشواذ والزوائد المروية عن السلف رواية الآحاد، وبيان فساد تعلقهم بذلك
باب ذكر مطاعنهم في صحة القرآن ونظمه من جهة اللغة ووصف شبه لهم تجمع ضروبا من مطاعنهم على التنزيل والكشف عن إبطالها
(باب) الكلام في معنى التكرار وفوائده ونقض ما يتعلقون به فيه