فإنه لا تنافي أيضا بينَه وبينَ قولهِ: (عَلَّامُ الْغُيُوبِ)، و(يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ)، و(مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ)، وما جرى مجرى ذلك، لأن اللهَ تعالى لا يجوزُ أن يكْتمَ شيئا، لكونه عالما بالغيوب، وما أضمرتْهُ القلوب، وانطوَت
عليه النفوس، وإنما أرادَ تعالى لو تسوَّى بهم الأرض، أي: تمنوا أن تُسوَى
بهم الأرضُ وتمنوا أن لا يكتموا الله حَديثا، فحذفَ واوَ العطفِ اقتصارًا على
مفهومِ الخطاب، وأرادَ بقولهِ: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)، أي: لا يتهيأُ لهم
كتمانُ شيءٍ من أعمالِهم واعتقاداتِهم وإخلاصِهم ونفاقِهم عنه.
ولا يستطيعون ذلك لكونه عالما بما ينطوي عليه، فكأنه قالَ لستُ ممن أكتمُ شيئا أو يُنكتمُ عنى شيء.
ويمكن أيضا أن يكون في جُهالِ الناس من ظنّ أنه إذا اسْتسر بشيءٍ في
نفسِه انكَتمَ يومَ القيامة عن ربه، وكانَ اعتقادهُ هذا كفر وضلال فإذا وردَ
أرضَ القيامةِ وحاسَبه على اعتقادِه وسرائرِه وذاته، لم يكن اعتقد في الدنيا
كتمانَ شيءٍ عنه تعالى لما انكشفَ وعلم ضَرورةً أنّ الأسرارَ غيرُ خافيةٍ ولا
منكتمةٍ عنه، فندمَ عند ذلكَ على جهلِه واعتقادِه فيه سبحانه ما يستحيلُ
ويمتنعُ في صفتِه، وإذا كان ذلكَ كذلكَ زالَ ما قدَّروه وبطلَ ما توهموه.
2 / 610
المقدمة
تمهيد
(باب) (القول في بيان حكم بسم الله الرحمن الرحيم والناس والفلق، ودعاء القنوت وترتيب سور القرآن ونظم آياته وعددها والقول في أول ما أنزل منه وآخره)
(باب) الكلام في بيان الحكم في أول ما نزل من القرآن وآخره ومكيه ومدنيه، وهل نص الرسول ﵇ على ذلك أم لا
(باب) القوله في ببان حكم كلام القنوت، وما روي عن أبي من الخلاف في ذلك
(باب) القول في ترتيب سور القرآن وهل وقع ذلك منهم عن توقيف أو اجتهاد
(باب) الكشف عن وجوب ترتيب آيات السور وأن ذلك إنما حصل بالنص والتوقيف دون الاجتهاد
(باب) الكلام في المعوذتين والكشف عن ظهور نقلهما وقيام الحجة بهما، وإبطال ما يدعونه من إنكار عبد الله بن مسعود لكونهما قرآنا منزلا
الجزء الثاني
(باب) تعلقهم بالشواذ والزوائد المروية عن السلف رواية الآحاد، وبيان فساد تعلقهم بذلك
باب ذكر مطاعنهم في صحة القرآن ونظمه من جهة اللغة ووصف شبه لهم تجمع ضروبا من مطاعنهم على التنزيل والكشف عن إبطالها
(باب) الكلام في معنى التكرار وفوائده ونقض ما يتعلقون به فيه