Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
جمعاً مستوعباً أو قريباً منه للأحاديث والآثار في الأقاليم الإسلامية كلها - كان من أسباب خصب ذلك الفقه.
وذلك لأن إحاطة أحمد رضي الله عنه بكل الأحاديث، أو جلها أعطاه ثروة من الأقضية والأحكام جعلته يحسن الاستنباط، فيجد أحكام الحوادث منصوصة، وفوق ذلك وسع باب القياس، فأصبحت الأمور التي تقع ولا يجد لها نصاً، يستطيع بعلمه بالنصوص الكثيرة، وبالأقضية والفتاوى المروية أن يجد لها الشبيه ويحسن التنظير بين المسائل؛ إذ يسعفه حفظ الكثير من المأثور، فيتخير منها أقرب الأشباه والأمثال بالواقعة النازلة، وليس كذلك الذي يكون علمه بالحديث ليس جامعاً، فإن التنظير لا يكون عنده إلا بمقدار ما حفظ، فيقيس على أمور قد يكون الشبه ليس في قوة أمر آخر غير مطلع عليه، والشبه فيه أقوى، والأوصاف المناسبة فيه أظهر، والعلل الضابطة فيه أقوى وأبين، ويكون القياس عليه أهدى سبيلاً من غيره.
٢٤٧ - وإذا كان العلم الجامع بالأحاديث والأخبار من شأنه أن يسهل سبل القياس، ويجعله أحكم، وأقرب إلى مرامي الشارع ومقاصده العامة المثبوثة في نصوص الرسول وأعماله وأقواله، فإن العلم بفتاوى الصحابة وأقضيتهم علماً جامعاً يمد الفقيه بعناصر الفقه كاملة، ويعطيه أحكاماً لأشتات من الحوادث في الأقاليم المتباينة، وقد واجه الإسلام حضارات مختلفة.
وذلك لأن الصحابة بعد فتح الأمصار تفرقوا فيها، فتفرقوا في اليمن والشام ومصر والعراق وفارس وغيرها من الأقاليم الإسلامية، وقد واجهوا في هذه الأقاليم الحضارات المختلفة للبلاد المفتوحة، ورأوا الأحداث التي صادفوها ولم يكن في بلاد العرب مثلها، ورأوا الأحداث التي وقعت من امتزاج الحضارات المختلفة بعضها ببعض في صدر الإسلام، واستنبطوا أحكام هذه الحوادث من المروي عن رسول الله ﷺ، فقد كان منهم القضاة والمفتون الذين يرجع إليهم في بيان الأحكام الشرعية في كل ما يجد من الحوادث، وعلى ذلك تكون أقضية الصحابة وفتاويهم، وكذلك
362