الأحيان يستلزم عموم الأحوال، سواء أكان طاهرًا أم محدثًا أم جنبًا، وذلك بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وقراءة القران ونحو ذلك من الأذكار.
وهذا غرض المصنف من إيراد الحديث في هذا الباب، وهو بيان أن نواقض الوضوء غير مانعة من ذكر الله تعالى، فإن الحدث الأصغر من جملة الأحيان المذكورة.
وقد أخبر ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما قام الليل قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة ال عمران قبل أن يتوضأ (^١)، وبوّب عليه البخاري بقوله: (باب قراءة القران بعد الحدث وغيره) (^٢).
الوجه الرابع: ليس هذا الحديث على عمومه، بل خصص منه ما يلي:
١ - تلاوة القران حال الجنابة، لحديث علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القران ما لم يكن جنبًا، وسيأتي إن شاء الله، قال الحافظ ابن رجب: (فيه دليل على أن الذكر لا يمنع منه حدث ولا جنابة، وليس فيه دليل على جواز قراءة القران للجنب؛ لأن ذكر الله تعالى إذا أطلق لا يراد به القران) (^٣) وسيأتي الكلام على هذه المسألة في باب «الغسل» إن شاء الله.
٢ - الذكر حال البول والغائط والجماع، فإنها من جملة الأحيان المذكورة مع أنه يكره الذكر باللسان في هذه الأحوال، كما نص عليه النووي وغيره (^٤)، وعلى هذا فيكون المراد بكل أحيانه: معظمها، كحال الطهارة والحدث والقيام والقعود، ونحو ذلك.
وهذا إن حمل الذكر في الحديث على الذكر باللسان، فإن حمل على الذكر بالقلب بقي العموم على حاله، فلا يستثنى منه شيء؛ لأنه ﷺ كان دائم التفكر لا يفتر عن الذكر القلبي لا في يقظة ولا نوم.
(^١) تقدم تخريجه في آخر الكلام على حديث (٦٧).
(^٢) انظر: "فتح الباري" (١/ ٢٨٦).
(^٣) "شرح البخاري" (٢/ ٤٥).
(^٤) "شرح صحيح مسلم" (٤/ ٣٠٨).