ووجه الدلالة: أن قوله: (مما مست النار) عام فيدخل فيه لحم الإبل؛ لأنه من أفراد ما مسته النار، بدليل أنه لا يؤكل نيئًا، بل يؤكل مطبوخًا، فلما نُسخ الوضوء مما مسته النار نُسخ الوضوء من أكل لحوم الإبل أيضًا.
والقول الأول هو الراجح في هذه المسألة؛ لأن حديث الباب نص في الموضوع، ويؤيد حديث الباب، حديث البراء بن عازب ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: «توضؤوا منها»، وسئل عن لحوم الغنم، فقال: «لا تتوضؤوا منها ..» الحديث (^١).
وأما حديث جابر ﵁ فعنه ثلاثة أجوبة:
الأول: أنه حديث مضطرب، كما قال أبو حاتم (^٢)، وله علة أخرى فقد نقل الحافظ عن الشافعي أنه قال: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الله هذا صدوق، في حديثه لين، كما في «التقريب» (^٣).
الثاني: على فرض صحته فلا دلالة فيه؛ لأن لحم الإبل لم يتوضأ منه لأجل مَسِّ النار، بل لمعنى يختص به ويتناوله نيئًا ومطبوخًا.
الثالث: أن ما قاله جابر نقل للفعل لا للقول، فإنهم قد شاهدوه قد أكل لحم غنم ثم صلى ولم يتوضأ (^٤).
وحديث جابر ﵁ لا معارضة بينه وبين حديث الباب وما في معناه حتى يقال بالنسخ، بل حديث جابر عام، وحديث الباب خاص، فيقدم الخاص على العام، ويخرج عن العام الصورة التي قام عليها دليل التخصيص، فلا يتوضأ مما مست النار إلا من لحم الإبل.
الوجه الخامس: لا فرق في النقض من لحوم الإبل بين أن يكون
(^١) أخرجه أبو داود (١٨٤)، والترمذي (٨١)، وابن ماجه (٤٩٤)، وهو حديث صحيح، صححه أحمد وإسحاق وجماعة.
(^٢) "علل الحديث" (١/ ٦٦).
(^٣) انظر حديث (١٢٨).
(^٤) "الفتاوى" (٢١/ ٢٦٣).