366

Fiqh al-Da'wah in Sahih al-Bukhari

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

Yayıncı

الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

Baskı

الأولى

Yayın Yılı

١٤٢١ هـ

والتولي (١) ونزوله ﷺ إلى الأرض حين غشوه يدل على المبالغة في الثبات، والشجاعة والصبر (٢) دل على ذلك رواية لمسلم عن سلمة ﵁ قال فيها: «مررت على رسول الله ﷺ منهزما (٣) وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ﷺ: " لقد رأى ابن الأكوع فزعا "، فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجمره القوم فقال: " شاهت الوجوه " (٤). فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة، فولّوا مدبرين، فهزمهم الله ﷿، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين (٥)».
وقد كان ﷺ شجاعا في حماية أصحابه في غير معارك القتال أيضا، فعن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قِبَلِ الصوت، فاستقبلهم النبي ﷺ وقد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: " لم تراعوا، لم تراعوا " وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج. .» (٦).
وهذا كله يدل على شجاعته القلبية، أما شجاعته العقلية فلها صور كثيرة من أبرزها موقفه ﷺ من تعنت سهيل بن عمرو وهو يملي وثيقة صلح الحديبية، إذ تنازل ﷺ عن كلمة " بسم الله الرحمن الرحيم " إلى " باسمك اللهم "، وعن كلمة " محمد رسول الله " إلى " محمد بن عبد الله "، وقبوله شرط سهيل على أنه لا يأتي النبي ﷺ رجل من قريش حتى ولو كان مسلما إلا ردّد إلى أهل مكة، وقد استشاط الصحابة غيظا، وبلغ الغضب حدّاَ لا مزيد عليه، وهو ﷺ صابر ثابت حتى انتهت الوثيقة، وكان الصلح بعد ذلك فتحا مبينا، فضرب ﷺ المثل الأعلى في الشجاعتين: القلبية والعقلية، مع بعد النظر

(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٥٨، وفتح الباري لابن حجر ٨/ ٣٢.
(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٥٨ وشرح الكرماني على صحيح البخاري ١٢/ ١٤٤.
(٣) قال العلماء: قوله " منهزما " حال من ابن الأكوع، وليس النبي ﷺ. انظر: شرح النووي ١٢/ ٣٦٤.
(٤) شاهت الوجوه: أي قبحت، والله أعلم. وانظر: المرجع السابق ١٢/ ٣٦٥.
(٥) مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين ٣/ ١٤٠٢، برقم ١٧٧٧.
(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل، ٧/ ١٠٨، برقم ٦٠٣٣، ومسلم، كتاب الفضائل، باب في شجاعة النبي ﷺ وتقدمه للحرب ٤/ ١٨٠٢، برقم ٢٣٠٧.

1 / 369