فَصْلٌ في صَلاةِ العيِدَينِ وَتَكْبِيَرات التَّشْرِيقِ
===
قال أبو مُطِيع البَلْخِيّ: لا يَحِلُّ للرجل أن يُعْطِي سُؤَّال المسجد، فإنه روى الحسن: «أنه يُنَادِي منادٍ يوم القيامة: ليقم بغيض الله، فيقوم سُؤَّال المسجد». والصحيح أنه إذا كان لا يَتَخَطَّى رِقَاب الناس، ولا يمر بين يدي المصلِّي، ولا يسأل إلحافًا (^١)، ويسأل لأمر لا بد له منه، فلا بأس بالسؤال والإعطاء. لِمَا روى أبو داود، عن عبد الرحمن بن أبي بكر (^٢) قال: قال رسول الله ﷺ «هل منكم أحد أَطْعَمَ اليوم مسكينًا؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل، فوجدت كِسْرَة خبز في يد عبد الرحمن، فدفعتها إليه».
قلت: ليس بصريح في المُدَّعَى، إذ يحتمل أن يكون السائل في طريق المسجد حال الدخول أو الخروج، لوقوع عين السائل على كِسْرَة ولده، وليس من المروءة حينئذٍ منعه. وأمَّا ما استُدِلَّ به على جوازه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُه والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُون الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وهم رَاكِعُون﴾ (^٣) وأن عليًّا أعطى خَاتَمَه لسائل في الصلاة، فلا دَلالَة فيه على كونه في المسجد. هذا، وفي شرح «المُنْية»: يَحْرُم السؤال فيه، ويُكره الإعطاء للسائل فيه، وإلاَّ فلو أعطى مسكينًا في المسجد، فلا يُكْرَه اتفاقًا.
فصلٌ في صَلَاةِ العِيدَيْنِ وتَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ
وكانت صلاة عيد الفِطْرِ في السنة الأولى من الهجرة. وسُمِّيَ عيدًا لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان على عباده. والأصل فيهما ما رواه أبو داود وغيره عن أنس قال: «قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينةَ، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ إن الله قد أبْدَلَكُم بهما خيرًا منهما: يوم الأَضْحَى، ويوم الفِطْر».
ثم صلاة العيد واجبةٌ عندنا في الأصح، - وهو رواية عن أبي حنيفة - لا سنة كما هو قول مالك والشافعي، وبه قال بعض أصحابنا. والأظهر أنها سنة مؤكّدة: أَخْذُها
(^١) إِلحافًا: أَلْحَفَ السائل: ألحَّ بالمسألةِ وهو مستغنٍ عنها. المعجم الوسيط، ص: ٨١٨، مادة (لَحَفَ).
(^٢) في المطبوع عبد الله بن أبي بكر، والمثبت من المخطوط، وهو الصواب لموافقته لما في سنن أَبي
داود ٢/ ٣٠٩، كتاب الزكاة (٣)، باب المسألة في المساجد (٦٣)، رقم (١٦٧٠).
(^٣) سورة المائدة، الآية: (٥٥).