كتم فلعله فعل ذلك عمدًا لما قوي عنده من دنو أجله وعلمه أن الحذر لا يدفع القدر وما قدر فهو كائن ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (^١) ولهذا قال وهو مطعون: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (^٢) ولعله اختار لقاء ربه وآثر الآخرة على الدنيا، ومال إلى قوله ﷺ: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" (^٣) وكقول عائشة قالت: كنت أعوذ النبي ﷺ وأنفث في مرضه فلما كان في المرض الذي قبض فيه فعلت. ذلك فرفع يده وقال: "في الرفيق الأعلى"، وذلك لما خير بين الآخرة والأولى.
ولعله نسى التعوذ للأمر المحتوم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ (^٤)؛ وقوله ﷺ في الحديث: "إذا تعوذ لم يضره" فلعل معناه في عقله كما قيل فيمن "أتى أهله إذا سمى الله تعالى وقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان" أي في عقله وكما فسر وإلا فالشيطان مسلط على الآدمي إلا أنْ يكون معصومًا كالنبي أو محفوظًا كالولي لقوله ﷺ لعمر بن الخطاب: "ما سلكت فجًّا إلا سلك الشيطان فجًّا غير فجك"، وفي البخاري (^٥) من حديث عائشة أم المؤمنين قالت: وكانت إحدانا تعوذه
(^١) سورة الأعراف، الآية: ٣٤.
(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ٣٨.
(^٣) أخرجه البخاري رقم (٦٥٠٧)، ومسلم رقم (٢٦٨٤).
(^٤) سورة النحل، الآية: ٤٠.
(^٥) رقم (٤٤٥١).