361

Fasl al-Khitab fi al-Zuhd wa al-Raqa'iq wa al-Adab

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

(حديث بن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(٢) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله ﵎:
(حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله ﷺ قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالمًا أو متعلما.
(٣) أن عمرها قد قارب على الانتهاء:
(حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(٤) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار:
كما قال مؤمن آل فرعون:
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: ٣٩، ٤٠]
كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع ﵁ عن الدنيا وحطامها وزهد فيها،
وهاك بعض صور زهده ﵁:
- يتجلى زهد الصديق ﵁ في إنفاقه للمال في سبيل الله تعالى: فقد وَعَى حقيقة الزهد بحذافيره وأيقن أن الزهد ليس بأن لا تملك المال بل الزهد أن تملك الدنيا كلها لكنها تكون في يدك وليست في قلبك، كانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف ﵁ فكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، ويتجلى ذلك في المواقف الآتية:
(١) إنفاقه الأموال لتحرير المعذبين في الله:

1 / 360