شأنك الحق والصدق والرفق قولك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم، اعتدل بك الدين وقوي بك الإيمان وظهر أمر الله، فسبقت -والله- سبقًا بعيدًا، واتعبت من بعدك إتعابًا شديدًا، وفزت بالخير فوزًا مبينًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون رضينا عن الله ﷿ قضاءه وسلمنا له أمره، والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبدًا، كنت للدين عزًا، وحرزًا وكهفًا فألحقك الله ﷿ بنبيك محمد ﷺ، ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك، فسكت الناس حتى قضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم وقالوا: صدقت (١) وجاء في رواية: إن عليًا قال عندما دخل على أبي بكر بعدما سُجِّي أنه قال: ما أحد ألقى الله بصحيفته أحب إليّ من هذا المُسَجَّى (٢) هذا وقد توفي الصديق ﵀ وهو ابن ثلاث وستين سنة ... مجمع على ذلك في الروايات كلها، استوفى سن رسول الله، وغسلته زوجه أسماء بنت عميس، وكان قد أوصى بذلك (٣)، ودفن جانب رسول الله، وقد جعل رأسه عند كتفي رسول الله (٤)، وصلى عليه خليفته عمر بن الخطاب، ونزل قبره عمر وعثمان وطلحة وابنه عبد الرحمن، وألصق اللحد بقبر رسول الله ﷺ (٥).
- ثانيًا: صورٌ مشرقة من زهد أبي بكر الصدَّيق ﵁:
لقد فهم أبي بكرٍ الصديق ﵁ ﵁ من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين ﷺ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، وزينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي:
(١) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى ﷺ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(١) التبصرة لابن الجوزي (١/ ٤٧٧ - ٤٧٩) نقلًا عن أصحاب الرسول (١/ ١٠٨).
(٢) تاريخ الاسلام للذهبي، عهد الخلفاء الراشدين، ص١٢٠.
(٣) الطبقات لابن سعد (٣/ ٢٠٣،٢٠٤) وإسناده صحيح.
(٤) تاريخ الاسلام للذهبي، عهد الخلفاء الراشدين، ص١٢٠.
(٥) أصحاب رسول الله (١/ ١٠٦).