إلينا محمدا ﷺ، ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأينا محمدًا ﷺ يفعل. وأخرج البيهقي عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحاديثي ينسخ بعضها بعضا، كنسخ القرآن بعضه بعضًا" (١). وأخرج عن الزبير بن العوام أن النبي ﷺ كان يقول القول، ثم يلبث حينا، ثم ينسخه بقول آخر كما ينسخ القرآن بعضه بعضًا (٢). وأخرج عن مكحول قال: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن. أخرجه سعيد بن منصور. وأخرج عن يحيى بن أبي كثير قال: السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب قاضيًا على السنة. أخرجه الدارمي، وسعيد بن منصور، قال البيهقي: ومعنى ذلك أن السنة مع الكتاب أقيمت مقام البيان عن الله، كما قال الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، لا أن شيئًا من السنن يخالف الكتاب.
قلت (٣): والحاصل أن معنى احتياج القرآن إلى السنة أنها مبينة له، ومُفَصِّلة لمجملاته؛ لأن فيه لِوَجَازته كنوزًا تحتاج إلى من يَعرِف خفايا خباياها فيبرزها، وذلك هو المُنْزَل عليه ﷺ، وهو معنى كون السنة قاضية عليه، وليس القرآن مبينا للسنة، ولا قاضيا عليها؛ لأنها بَيِّنَةٌ بنفسها، إذ لم تصل إلى حَدّ القرآن في الإعجاز والإيجاز؛ لأنها شرح له، وشأن الشرح أن يكون أوضح وأبين وأبسط من المشروح. والله أعلم.
وأخرج البيهقي عن هشام بن يحيى المخزومي، أن رجلا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب، فسأل عن امرأة حاضت، وقد كانت زارت البيت، ألها أن تَنْفِر قبل أن تطهر؟ فقال: لا، فقال له الثقفي: إن رسول الله ﷺ أفتاني في مثل هذه المرأة بغير ما أَفْتَيتَ، فقام إليه عمر، فضربه بالدِّرَّة، ويقول: لم تستفتوني في شيء أفتى فيه رسول الله ﷺ. وأخرج عن ابن خزيمة قال: ليس لأحد قول مع رسول الله ﷺ إذا صح الخبر. وأخرج عن يحيى
(١) موضوع، أخرجه الدارقطنيّ في "سننه" ٤/ ١٤٥ وهو مسلسل بالمتروكين.
(٢) في سنده ابن لهيعة، وفيه مقال مشهور.
(٣) القائل السيوطيّ رحمه الله تعالى.