ولم يَكنِ اجتهادُهم في ذلِكَ العصرِ إِلا بملازمة النبيِّ ﷺ فقط، مع سماعِ جُمْلَةٍ من حديثِه ومعاينةِ كثيرٍ من أفعالِهِ، وإن لم تَطُلْ تلك الملازمة طُولًا كثيرًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] وهذا النفيرُ الذي نَدَب اللهُ إليه في هذه الآيةِ هو النفيرُ للجهاد (١)، فجعلَ المجاهدينَ فقهاءَ في الدِّين، وسمَّى الجهادَ تفقهًا لِمَا يَصْحَبُهُ مِن رؤيةِ النبيِّ ﷺ كيف يُصلي، وبما يأمُرُ المجاهدين مِنْ أحكامِ الجهاد، ففي مدة إقامتهم معه في الغزوات سمَّاهم متفقهين، وأباحَ لهم أن يُفتوا قومَهم بما رأوا من أفعالِه ﵇، وبما سَمِعُوا من أقواله، ولكِنَّهم لا يكونون مُجتهدين فيما لم يَرَوْا ولم يَسْمَعُوا، وهذا اجتهادٌ خاص، وهو أحدُ الأدلة على تجزُّؤ الاجتهاد (٢).
فإن قلت: لم يكونوا يُفتون قومَهم إذا رجعوا إليهم، إنما كانوا يَرْوونَ لهم.
(١) اختلف المفسرون في المراد بهذا النفير على قولين، أحدهما: أنَّه النفيرُ إلى العدو، فالمعنى: ما كان للمؤمنين أن ينفروا بأجمعهم، بل تنفِرُ طائفة، وتبقى مع النبي ﷺ طائفة ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ يعني الفرقة القاعدين، فإذا رجعت السرايا، وقد نزل بعدَهم قرآن، أو تجدد أمر - أعلموهم به، وأنذروهم به إذا رجعوا إليهم، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس.
والثاني: أنَّه النفير إلى رسول الله ﷺ تنفِرُ المؤمنين طائفةٌ ليفقه هؤلاء الذين ينفرون، ولينذروا قومهم المتخلفين. هذا قول الحسن. قال ابن الجوزي في " زاد المسير " ٣/ ٥١٧: وهو أشبهُ بظاهر الآية، فعلى القول الأول يكون نفير هذه الطائفة مع رسول الله ﷺ إن خرج إلى غزاة أو مع سراياه، وعلى القول الثاني يكون نفير الطائفة إلى رسول الله لاقتباس العلم.
(٢) جمهور أهل العلم من أهل السنة والمعتزلة والإمامية على جواز تجزؤ الاجتهاد والمنقول عن الإمام أبي حنيفة منعه، ويكاد يكون خلافه ﵀ لفظيًا، ذلك لأن الناقلين عنه أخذوه من تعريفه للفقيه بأنه من له ملكة الاستنباط في الكل، وكونه له الملكة يعني بالفعل فيما يعلمه، وبالقوة فيما لا يعلمه.
انظر " المستصفي " ٢/ ٤٥٣ - ٣٥٤ و" الإحكام للآمدي " ٤/ ١٦٤، و" المعتمد " ٢/ ٩٢٩، و" مرآة الأصول " ٢/ ٤٦٩، و" المحصول " ٢/ ٣/٣٧، و" إرشاد الفحول " ٢٣٥.